Back Home Next

حوار مع الدكتور عبد الخالق حسين

آراء الكاتب

جاسم الصغير

http://www.abdulkhaliqhussein.com/news/342.html

شهد ويشهد الوضع السياسي والفكري في العراق الكثير من الاحداث والمتغيرات التي كان لها تأثير على الاوضاع الحياتية والسياسية والفكرية وهذه الاحداث والمتغيرات حملت العديد من الباحثين على سبر اغوار هذه الاحداث والمتغيرات لتفكيكها وقراءتها بصورة علمية وممنهجة للخروج بخلاصات لفهمها ومن هنا عرف عن الدكتور عبد الخالق حسين اهتمامه الكبير من خلاله كتبه وبحوثه التي اصدرها بالقضية العراقية ومتغيراتها وتسليطه الضوء على الإشكالات الكبرى في الثقافة والسياسة العراقية كالإستبداد والطائفية والانغلاق الفكري في العقود الماضية وماأدت اليه من انهيارات كبيرة على مستوى الدولة والنظام السياسيي او على المستوى الاجتماعي وتغير القيم السائدة ...
التقيانه في حوار عن الوضع الثقافي والسياسي العراقي والمتغيرات الفكرية والحراك السياسي بين الكتل السياسية في العراق اليوم ومسألة الإنسحاب المزمع للقوات الأمريكية من العراق وتداعياتها وتسونامي الثورات ضد الانظمة الاستبدادية العربية وكالتالي..

1- بإعتبارك كاتباً مرموقاً ومتابع للوضع السياسي العراقي بعد ثمان سنوات من التجربة الديمقراطية في العراق كيف ترى هذه التجربة؟
* شكراً جزيلاً على ثنائكم الجميل، وإتاحتكم الفرصة لي لمخاطبة قرائكم الكرام من منبركم الموقر. خلافاً لما ينشره الإعلام المعادي للعراق الجديد، الذي يحاول الإساءة إلى سمعة الديمقراطية وكل ما تحقق للعراق من منجزات منذ 2003، فأنا أعتقد أن التجربة العراقية نجحت وصمدت في وجه الأعاصير والتحالفات المضادة، والقوى المعادية التي بذلت كل ما في وسعها لإجهاض التجربة الديمقراطية التي بقيت شامخة كالنخلة العراقية بقامتها الباسقة تتحدى العواصف والأعاصير.
والسبب الرئيسي في تشاؤم البعض من التجربة وتقييمها سلباً، أنهم كانوا يتوقعون أن مجرد سقوط حكم البعث الفاشي سيتحول العراق إلى جنة وارفة للديمقراطية مثل الدول الغربية العريقة. وهذا خطأ، فالعراق لم يعرف في تاريخه الطويل النظام الديمقراطي، وحتى في العهد الملكي الذي يصفونه خطأً بالعهد الديمقراطي الليبرالي، تذكر أن في الانتخابات البرلمانية لعام 1954 عندما استطاعت المعارضة الوطنية أن تفوز بـ 11 مقعدا فقط من مجموع 135 مقعداً، فلم يتحمل نوري السعيد هذا العدد من النواب المعارضين رقم قلته، فما كان منه إلا وأن قام بانقلاب القصر على زميله أرشد العمري رئيس الوزراء آنذاك، فعطل البرلمان بعد 24 ساعة من افتتاحه، وأعلن حالة الطوارئ. غايتي من ذكر هذه الحادثة لأثبت لك أن العراق لم يذق طعم الديمقراطية الحقيقية قبل 2003.
وجميع الدراسات في علم الاجتماع تؤكد أنه من المستحيل الانتقال من نظام دكتاتوري، مفرط في الظلم، إلى نظام ديمقراطي بسلاسة وبين عشية وضحاها. فلا بد من معوقات، ومن أهم المعوقات مخلفات العهد البعثي البائد الذي دمر النسيج الاجتماعي، وأعاد الشعب العراقي إلى ما قبل تكوين الشعوب، حيث أحيا فيه القبلية والطائفية. ولا ننسى ما قاله صدام حسين: "أن الذي يحكم العراق من بعده سيتسلمه أرضاً بلا بشر". فهكذا كان البعث يخطط للعراق، وجعل الوضع من التعقيد بحيث لا يمكن حكمه إلا بالقبضة الحديدية البعثية. كما وحاول أن يدخل في روع العراقيين أن لا مفر لهم من مصير حكم البعث، وهذا هو قدرهم المكتوب يجب أن يتكيفوا معه. ولكن رغم كل هذه الخلفية البائسة، وعصابات الجريمة المنظمة وفلول البعث وحلفائهم من الإرهابيين الوهابيين، صمدت التجربة السياسية العراقية طيلة هذه السنوات الثمانية، وهي تحث الخطى لتحقيق المزيد من النجاحات والتغلب على المعوقات.

2- تواصل الحكومة العراقية جهودها في تثبيت الاستقرار وتوفير الخدمات للمواطنين وهو أمر يتطلب انسجاماً بين الكتل السياسية الممثلة في الحكومة العراقية. كيف ترى خطاب وسلوك الحكومة العراقية في هذا الشأن؟
*- لا شك أن هناك صراع بين القوى السياسية المشاركة في السلطة، بعضها مخلصة لإنجاح التجربة، وأخرى غير مخلصة مع الأسف الشديد، إذ هناك من ساهم في العملية السياسية بغية إفشالها من الداخل، فقد شاهدنا وزيراً مثل (أسعد الهاشمي)، يشترك في الإرهاب بقتل العراقيين، وهو هارب من وجه العدالة، ونائباً مثل (محمد الدايني) يقوم بأعمال التفجير في البرلمان، وهو الآخر هارب من وجه العدالة. وهكذا... نعم هناك عدم الانسجام بين المشاركين في حكومة الوحدة الوطنية، إذ فيها من يحاول وضع العراقيل أمام إنجاز المشاريع الخدمية وغيرها بسبب المنافسة السياسية والمصالح الذاتية والفئوية والاختلافات الأيديولوجية. والمؤسف أن البعض ينظر إلى الحكومة وكأنها تتمثل في شخص واحد وهو رئيس الوزراء فقط، ونجد هذا الموقف حتى عند البعض من المشاركين في الحكومة، فيرفضون تحمل مسؤوليتهم في النواقص، ويحاولون إلقاء فشلهم على كاهل رئيس الوزراء وحده وتبرئة أنفسهم، بينما نجد في جميع دول العالم تكون المسؤولية جماعية ومشتركة، والكل يتحمل حصته من التقصير. فمثلاً في الدورة البرلمانية السابقة رفض البرلمان التصويت على تمويل مشاريع الكهرباء اعتقاداً منهم أن توفير الكهرباء للمواطنين سيكون دعاية لرئيس الوزراء في حملته الانتخابية!!، لذلك رأوا أنه من "الوطنية" عدم التصويت وحرمان المواطنين من الكهرباء كرهاً لرئيس الوزراء. وهذا الموقف المخجل هو الآخر نتيجة التركة التي خلفها حكم البعث في تدمير سلوك الإنسان العراقي بمن فيهم السياسيين الذين وضعتهم الظروف في موقع المسؤولية. والمعروف أن الحكومة الإئتلافية هي بالضرورة أضعف من حكومة الحزب الواحد، والحكومة الديمقراطية هي أضعف من الحكومة الديكتاتورية، لأن الحكومة الديكتاتورية تفرض إراداتها بالقوة على المواطنين والمعارضين، بينما الحكومة الديمقراطية لا يجوز لها ذلك بل عن طريق الإقناع، ناهيك عن كونها حكومة إئتلافية متكونة من عشرات الكيانات السياسية غير المنسجمة. إلا إن هذا هو قدر العراق، محكوم عليه أن يمر بهذا المخاض العسير، وهي مرحلة تجربة قاسية يمر بها العراقيون لتعلم قواعد اللعبة الديمقراطية بالممارسة.

3- كيف ترى واقع ومستقبل العلمانية في العراق وهل يوجد اليوم صراع تقليدي كما ألفناه في العقود السابقة بين العلمانية والإسلام السياسي؟
*- بالتأكيد إن الوضع الحالي هو لصالح القوى الإسلامية وذلك بسبب المظالم التي مر بها الشعب العراقي خلال 40 سنة (1963-2003) من حكم التيار القومي العروبي، وخاصة خلال مرحلة حكم البعث الجائر، حيث الحروب والحصار والمقابر الجماعية...الخ، لذلك لم يبق أمام العراقيين سواء اللجوء إلى الله والأديان والغيبيات، بل وحتى إلى الخرافات للتخلص من محنتهم. ولا ننسى أن حكم البعث ظلم بعض مكونات الشعب العراقي على أساس انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية، وقسَّم العراقيين حسب مناطقهم إلى محافظات بيضاء ومحافظات سوداء!!ّ لذلك لم يبقَ أمام المظلومين سوى التخندق بالعشيرة والطائفة من أجل البقاء. وقد استفادت القوى الإسلامية من هذه الحالة، لذلك تقدمت هذه الأحزاب على حساب الأحزاب العلمانية. وهذه الحالة لم ينفرد بها العراق، بل شملت معظم البلدان العربية والإسلامية. ولكن على المدى المتوسط والبعيد، المستقبل لصالح القوى العلمانية، لأن الإسلام السياسي ليس لديه الحل العملي الناجع لمواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الشعب.

4- من الملاحظ لأي متابع للوضع السياسي في العراق نرى انه يتسم بنوع من الانفعال والصراع السياسي وانعدام أجواء الثقة السياسية بين الكتل السياسية العراقية. هل من الممكن لمثل هذه الأجواء أن تنتج فعل ومنجز على ارض الواقع؟
*- الانفعال هو جزء من سايكولوجية الفرد العراقي وتكوين شخصيته بصورة عامة، وهذه الحالة لها علاقة بالموروث الاجتماعي في الثقافة العراقية كما حللها عالم الاجتماع العراقي العلامة علي الوردي. أما أزمة الثقة بين الكتل السياسية فهي الأخرى جزء من التركة الثقيلة من الماضي البغيض. فقد نجح حزب البعث خلال 35 سنة من حكمه في تطبيق سياسة "فرق تسد". ولم ينجح في تفرقة القوى السياسية فحسب، بل نجح في تدمير الثقة بين العراقيين، بل وحتى بين أفراد العائلة الواحد، إذ شكل جيشاً هائلاً من الجواسيس، بحيث جعل كل عراقي يعتقد أن كل واحد يلتقي به هو جاسوس عليه، والكل يتجسس على الكل. وهذه الحالة لا يمكن التخلص منها بمجرد القضاء على حكم البعث، بل يأخذ وقتاً قد يطول لإعادة الثقة بين العراقيين، وكذلك بين الكتل السياسية. بطبيعة الحال، هذه الأجواء من الصعوبة أن تنتج منجزات على أرض الواقع. وهي عقبة كأداء أما الحكومة العراقية، ولكن مع ذلك نعتقد أن الظروف هي التي ستجبر العراقيين على التعلم من أخطائهم وتجاربهم المريرة.

5
- هناك ظاهرة غريبة في الوضع السياسي العراقي وهي وجود شخصيات في تركيبة الدولة العراقية وتتبوأ مناصب قيادية، ولكنها في ذات الوقت تمارس دور المعارضة السلبي وتنتقد الحكومة سراً وعلناً وحتى في زياراتها إلى خارج العراق وتعطي انطباعات سلبية عن الوضع في العراق كيف تقرأ هذا الأمر؟
*- هذا جداً صحيح، وقد نوهت إليه في إجابتي على السؤال الأول، وأضيف هنا إلى أن هذه الظاهرة تعود إلى سببين: الأول، موروث اجتماعي وهو العداء المستحكم بين العراقيين ضد حكوماتهم المتعاقبة منذ الدولة العثمانية ولحد الآن، وذلك بسبب المظالم التي لحقت بالشعب من تلك الحكومات. لذلك صار من الوطنية معاداة الحكومة، وأية حكومة كانت، وحتى لو كانت منتخبة من قبل العراقيين أنفسهم كما هي الحكومة الحالية. والسبب الثاني، هو أن بعض المشاركين من امتداد البعثيين أو متعاطفين مع فلول البعث، انضموا للعملية السياسية بغية إفشالها من الداخل. فهؤلاء لهم رجل في السلطة مستفيدين من امتيازات مناصبهم، ورجل في المعارضة، بل وحتى مع الإرهاب، كما ذكرنا عن أسعد الهاشمي ومحمد الدايني. وهؤلاء يستخدمون مشاركتهم في السلطة من أجل الجاه والمال والنفوذ، والشهرة واللقاءات مع السياسيين في الخارج، ولكن في نفس الوقت يمدون أيديهم إلى الإرهابيين وإلى الحكومات التي تعمل على تخريب العملية السياسية. وهذا الموقف المخجل من هؤلاء السياسيين هو جزء من الخراب البشري والإفلاس السياسي والأخلاقي الذي تركه الظام البعثي في العراق.

6- تطرقت إلى من خلال مقالاتك وكتبك التي أصدرتها إلى ظاهرة الطائفية السياسية في العهود الغابرة بسبب تسلط واستبداد الأنظمة السياسية آنذاك. نسألك هل من الممكن أن نقضي على هذه الظاهرة السلبية في العراق الجديد وترسيخ مبدأ المواطنة كأساس للانتماء إلى العراق الجديد؟
*- نعم ممكن أن نقضي على الطائفية، ولكن العملية تستغرق وقت، فمشكلة عمرها 1400 سنة ليس من السهل القضاء عليها في جيل. ولكن المهم أن الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل قد تحققت بإسقاط نظام عاش على الانقسام الطائفي وكان يغذيه على الدوام. هناك مقولة تفيد (الوحدة في التعددية). أما لماذا أدت التعددية في العراق إلى عداء وعدم الثقة بين مكونات الشعب، فالسبب هو أن الأنظمة السابقة كانت تتعمد في تغذية الطائفية وربط شريحة من الشعب بطائفة السلطة من أجل الدفاع عنها وضمان بقائها في الحكم، والتأكيد لهذه المكونة أن امتيازاتها مرتبطة ببقاء السلطة المتطيفة. وتستخدم هذه الجماعة لقمع الطوائف والمكونات الأخرى. لذلك ففي هذه الحالة تتولد العداوة والبغضاء والكراهية والتفرقة بين هذه التعددية بدلاً من الوحدة والمحبة. بينما في النظام الديمقراطي، تعامل السلطة المنتخبة الجميع معاملة واحدة، وكل المكونات لها تمثيل في السلطة دون تمييز، لذلك فعندما يشعر الكردي والعربي والسيني والشيعي والتركماني والمسيحي وغيرهم أنهم على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، فعندها يشعر هؤلاء بأن العرق هو وطنهم جميعاً دون تمييز، وعندئذ فقط يمكن القضاء على التفرقة الطائفية والعرقية، ويصبح الدين لله والوطن للجميع.

7- انسحاب القوات الأمريكية على الأبواب في نهاية العام الحالي كما هو متفق مع الحكومة العراقية. كيف ترى هذا الأمر وهل العراق برأيكم مقبل على أيام سلام واستقرار بعد انسحاب هذه القوات، أم هناك مفاجآت تنتظر العراقيين؟

*- أعتقد أن التاريخ لأول مرة وفر فرصة ذهبية فريدة للعراق أن يسخِّر الدولة العظمى لمساعدته في تحريره من أبشع نظام ديكتاتوري همجي مستبد، بغض النظر عن مقاصد الدولة العظمى من هذه العملية. فشعب العراق كان غير قادر على تحرير نفسه، لا لعدم المحاولة، إذ حاول الشعب عدة مرات بانتفاضات شعبية عارمة، ولكنها فشلت بسبب القسوة المفرطة التي استخدمها نظام البعث في قمع الانتفاضات.
لذلك لم يبق أمام الشعب غير اللجوء إلى المجتمع الدولي بقيادة أمريكا لمساعدته في الخلاص من محنته. ولم يكن التحرير ممكناً إلا بالتخلص من تركة حكم البعث وبالأخص عسكرة المجتمع وأيديولوجية البعث، وإعادة بناء الدولة العراقية ومؤسساتها المدنية والعسكرية على أسس جديدة خالية من الأدجلة الفاشية. وقد ساعدت القوات الأمريكية الشعب العراقي في بناء القوات المسلحة العراقية، ولكنها لحد الآن غير جاهزة مائة بالمائة لحماية الوطن من العدوان الخارجي والداخلي. لذلك أرى من مصلحة العراق إقامة علاقة إستراتيجية قوية مع الدولة العظمى، لأن هناك من ينتظر رحيل القوات الأمريكية لمفاجأة العراقيين بأعمال غير السارة.

8- التغيرات التي تحصل في بلدان عديدة من العالم العربي وسقوط أنظمة الحكم الاستبدادية، هل سينعكس ذلك إيجاباً أم سلباً على الوضع في العراق؟
*- إن ما يشهده العالم العربي من انتفاضات وثورات شعبية، يشبه إلى حد كبير ما جرى في ثمانينات القرن الماضي في دول أوربا الشرقية (الاشتراكية سابقاً). والغرض من هذه الثورات والانتفاضات واحد في الحالتين، وهو التخلص من الأنظمة المستبدة المتحجرة وإقامة أنظمة ديمقراطية تحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير وحرية الفرد وتشكيل منظمات المجتمع المدني..الخ. وقد نجحت شعوب أوربا الشرقية في نضالها، والآن تتمتع بأنظمة ديمقراطية لا تختلف كثيراً عن تلك التي في أوربا الغربية التي سبقتها في هذا المضمار لمئات السنين. لذلك، نعتقد أنه قد حان الوقت للشعوب العربية أن تلعب ذات الدور، ولا بد من أنها ستنتصر، فالتطور سنة الحياة.
لقد سبق الشعب العراقي جميع الشعوب العربية في هذه الانتفاضات، حيث قام بعدة انتفاضات شعبية، وآخرها كانت انتفاضة آذار 1991 عندما نجح العراقيون في تحرير 14 محافظة من 18، إلى حد أن صدام كان يخطط للفرار، لولا تعقيدات الوضع الدولي التي دفعت الدولة العظمى أمريكا بالسماح لقوات البعث باستخدام مروحياته وقمع الانتفاضة، حيث استخدم الحكم البعثي منتهى القسوة في قمعها، وقتل نحو 700 ألف، وملأ العراق بالمقابر الجماعية.
قارن ما عملت أمريكا مع انتفاضة الشعب العراقي، وما يقدمه حلف الناتو اليوم من الدعم لانتفاضة الشعب الليبي، حيث فرضوا الحظر الجوي على ليبيا، وساعدوا الثوار بمواصلة القصف الجوي لقوات معمر القذافي. تصور لو توفر هذا الدعم للانتفاضة الشعبية العراقية عام 1991، هل كان بإمكان نظام البعث البقاء طيلة ثلاثة عشر عاماً أخرى؟
على أي حال، أعتقد أن هذه الانتفاضات لها علاقة بما حصل في العراق من ديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم والتظاهر، لذلك سيكون التحصيل النهائي لما يجري في العالم العربي يكون في صالح العراق. لأن بعد تحرير العراق اتخذت الأنظمة العربية المستبدة موقفاً عدائياً من العراق الجديد من أجل إفشال العملية السياسية وإجهاض الديمقراطية الوليدة لكي لا تصل عدواها إلى شعوبهم، فراحوا يدعمون فلول البعث، ويرسلون الإرهابيين إلى العراق لقتل العراقيين وتدمير مؤسساتهم الاقتصادية. لذلك أرى أن هذه الانتفاضات هي في صالح العراق لأنها تجعل تلك الحكومات مشغولة بمصائبها وسوف تسقط لتقوم مكانها أنظمة ديمقراطية كما حصل في العراق.

9- كيف تستشرف مستقبل التجربة الديمقراطية العراقية؟
* أنا متفائل بمستقبل الديمقراطية في العراق، وهذا ليس من باب (تفاءلوا بالخير تجدوه)، بل من قراءاتي لتاريخ الديمقراطية في البلدان التي سبقتنا في هذا المضمار وخاصة الدول الأوربية. فالديمقراطية لا تأتي كحزمة متكاملة وبلا صعوبات أو ثمن، بل تولد عبر مخاض عسير، وفي أغلب الأحيان بعملية قيصرية جراحية. فالديمقراطية لا تولد متكاملة بل هي عملية تراكمية، تبدأ بحقوق بسيطة بنسبة 10% ثم 20% وهكذا تنمو وفق نمو الوعي الجمعي للشعب. لقد واجهت الديمقراطية في البلدان الغربية صعوبات جمة، وثورات وانتفاضات مسلحة، ولكن مع الزمن تعودت عليها الشعوب وصارت جزءً من ثقافتها وتقاليدها الشعبية، وتقبل بنتائجها. والشعب العراقي ليس استثناء. فرغم ما يواجهه الشعب من أعمال تخريبية وإرهابية من قبل فلول البعث وحلفائهم من أتباع القاعدة الممولين من قبل بعض دول الجوار، فقد قطع الشعب شوطاً واسعاً في مسيرته لإنضاج الديمقراطية. وفي جميع الأحوال فلا بد للعملية السياسية الديمقراطية العراقية أن تنجح لأنها مسألة بقاء أو فناء، وبعد أن ذاق الشعب العراقي طعم الحرية فلا يمكن مطلقاً إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. وعليه ورغم الصعاب، فالمستقبل مشرق.
وشكراً.

 Back Home Next