Home 


قضية الشيعة والسنة
قراءة في آراء علي الوردي
حكمت مهدي جبار
 


قضية الشيعة والسنة قضية تلوكها الألسن وتتحدث فيها مختلف النحل والملل على مر التاريخ العربي الأسلامي منذ الفترة التي اعقبت وفاة الرسول محمد (ص) حتى يومنا هذا.وهي في الحقيقة (قضية شائكة) كما عبر عنها عالم الاجتماع العراقي الكبير المرحوم الدكتور (علي الوردي) في كتابه المشهور وعاظ السلاطين (1) والتي أعتبرها القضية التي انهمك بها العراق عن غيره من البلدان العربية والاسلامية منذ 1400سنة مضت ولحد يومنا هذا .

ولو وقف القاريء المتفحص على ما جاء به (الوردي) من سرد تأريخي لوجدناه أنه قد أسس موقفا فكريا أزاءه بأعتباره القضية المهمة والتي اعتبرت على مر السنين قضية مسيسة ومحزبة ومؤدلجة فضلا عن مشكلتها الدينية العقائدية والتاريخية,والتي شكلت بدورها جزءا من ثقافة الفرد العربي المسلم لاسيما في العراق.

والحقيقة يبدو على كلام (الوردي) في هذا الموضوع بالذات أنه يتحدث بأمانة علمية متجردة من أي انتماء ديني أو سياسي أو عرقي أو طائفي. فقد عالج الموضوع ليس كونه عربي مسلم ينتمي لطائفة الشيعة أو لطائفة السنة . انما هو رجل مثقف مفكر يناقش الموضوع علميا ووفق الحوداث التاريخية وتعاقبها وتأثيرها على وضع العرب المسلمين السياسي والديني.

لقد أشر الدكتور (الوردي) جملة من الأستنتاجات, وحددها علميا من وجهة النظر الاجتماعية والفكرية. ليكون بالتالي قد اعطى تعريفا أو عنوانا لتلك القضية عسى أن يتمكن من اعادة صياغة ثقافة جديدة للفرد العراقي وأن يتعامل مع المعطيات التاريخية بروح الأنتماء الوطني الواحد وعلى هدى وحدة الدين الاسلامي الواحد والموحد من أجل بناء مجتمع عربي مسلم وحقيقي .

أن قراءة متمعنة لموضوع (قضية الشيعة والسنة) يجد القاريء محاور اساسية يمكن اعتبارها ملامح الموقف الفكري للدكتور الوردي ازاء (المشكلة الطائفية) التي ظهرت في العراق والتي كان لها تداعياتها على مسيرة الحكومات المتعاقبة على العراق. بعد أن اسهب الوردي في السرد التاريخي للأحداث التي رآها عوامل من عوامل حدوث تلك القضية. ونحن سوف لن نتطرق لتفاصيل الأحداث في هذا المقال سوى محاولة تحديد (الموقف الفكري والثقافي) للدكتور الوردي بأعتباره من أشهر علماء الاجتماع في العراق.

يرجع الوردي أسباب وضع هذا الموضوع (كقضية) الى جهل فئات كبيرة من المجتمع العراقي,حيث صارت (القضية) مرضا مزمنا يعاني منه العراق طيلة مراحل التاريخ أثر على احواله السياسية والأجتماعية والثقافية والأقتصادية والدينية وغيرها من مظاهر الحياة العراقية. ويشير الوردي الى أن أجيال عراقية ورثت ((هذا الأعتقاد من الآباء .فهم لا يفهمون الا ما نشأوا عليه من تقاليد وعقائد وطقوس ,شأنهم في ذلك شأن أي مجتمع جامد ذأبه أن يقول أنا وجدنا آباءنا على ذلك وأنا على آثارهم مقتدون))..

أعتبر الوردي أن أعتقاد معظم العراقيين بقضية الشيعة والسنة انما هو (تقليد بالي) وما هي الا مصدر لكل المشاكل والنزاعات والخلافات الفكرية والعقائدية ,وهي سببا من أسباب ضعف المجتمع وتخلفه. وقد أنشغل العراقيون بتلك القضية أيما انشغال وصارت مصدر الجدل واللغو والمصادمات وتعاكس الأتجاهات .الا انها والحمد لله لم تصل الى مستوى الأقتتال الديني كما هو عليه في دول وأمم أخرى. انما بقيت في أطار تصارع الأفكار وتناقضات الأضداد وأكثرها كان تاريخيا وفقهيا .

يقول الوردي ان الخلافات الشيعية السنية في الأسلام الواحد لم تكن موضوعية وحقيقية (وأن المنطق الأجتماعي يستسخف هذا الجدل ويضحك على ذقون أصحابه فهو يعتبره جدلا قبليا أكثر منه جدلا مبدئيا) . وهو بذلك أي (الوردي) يعتبر ان جذور القضية انما هي قبلية ويلعب فيها الشعور الفردي العاطفي الحماسي البدوي القائم على التعصب العربي . والا ماهو الخلاف في الموقف من محمد ؟ وما هو الخلاف في الموقف من القرآن؟ ومن السنة ومن اهل بيت الرسول والصحابة وغيرها من أمور لم تكن ابدا مبررا لخلق تلك المشكلة. وبالتالي يظهر بما يسمى (الحق والباطل) . أي أحقية (شيعة علي) وبطلان الآخرين الذين اتبعوا سنة الرسول.أو أحقية (أهل السنة) وبطلان أتباع علي في الموقف من الدين والخلافة ..

بقيت القضية قائمة حتى اليوم. وأن أساس النزاع بين (الشيعي والسني) على حد رأي (الوردي) انما هو نزاع قبلي على طريقة النزاع البدوي . قائم على كشف كل فرد أخطاء الآخر ومساوئه. (وكل حزب بما لديهم فرحون). وكان المسبب في تلك الخلافات هو أستنبات فكرة (السلطة أو القيادة أو الحكومة). عندما راح المسلمون يفكرون في من سيقود الأمه بعد وفاة (محمد النبي والرسول). أذن أساس الخلاف ليس دينيا ,اذا ما اعتبرنا ان الرسالة المحمدية نزلت الى العرب والى الأنسانية بدون عناوين ومسميات وولايات .

وبعد تأسيس الخلافة الراشدة وتتابع الحكومات العربية الأسلامية من بعدها تألفت أحزابا وتيارات وكتل اختلطت فيها السياسة بالدين. فظهرت آراء (الشيعة) التي تمثلت بالثورة على السلطان والحاكم . بينما ظهرت آراء (السنة) التي اعتمدت على الأحاديث النبوية في تحديد منهجها الديني والسياسي.. فألتصقت صفة (الثورية) بالشيعة وصفة (الأعتدال) بالسنة.

من هنا بدأت القضية تأخذا مناح سياسية . وبنت عليها الدولتين العربيتين الكبيرتين الأموية والعباسية أزاء ابناء علي وأتباعه مواقف ومواقف. حتى ادت بالنهاية الى وقوع حربا طائفية طاحنة كان ضحيتها الآلاف من المسلمين. فأستشهد الأمام الحسين بن علي بن أبي طالب بسبب موقفه الرافض للحكم الأموي (العربي الأسلامي) ثم تبعت ذلك قضايا ومشاكل ونزاعات وحروب ومعارك فكرية وكلامية وعسكرية ترسخت فيها وبسببها المذهبية وظهور (الشيعة والسنة).

وهكذا بني المجتمع العراقي على تلك الآراء المتناقضة. وصارت الشخصية العراقية مزدوجة التفكير والتصرف والسلوك. وتباينت مواقف وميول الحكام والولاة والسلاطين والشخصيات من تلك القضية. فظهرت مصطلح (أهل السنة والجماعة) في زمن (المتوكل). وظهر حكام أميون مؤيدون لموقف الشيعة .الى جانب تأييد (أهل الحديث) للشيعة ولكن في الكلام فقط. وتطور مفهوم (الثورة) واندلعت حروب ومعارك بين المسلمين. فكان (أبو حنيفة) علوي الهوى ثوريا . (وثار محمد بن عبد الله الحسني في المدينة ضد المنصور وأيده ابو حنيفة) بينما كانت الدولة الأموية تدعم سلطانها بالقوة والسيف الى جانب تشجيع الترف والرفاه والتمتع بالحياة من خلال الفنون والشعر.

أما الشاعر الكبير (الشافعي) فقد تشيع للعلويين حتى دعي بـ (الرافضي). وكذلك أمام المدينة المعروف (مالك بن أنس) الذي كان من تلامدة الأمام (جعفر الصادق). وحين نأتي الى الأمام (أحمد بن حنبل) نجده من مؤيدي الشيعة. اما العباسيون فكانوا لا يستحبون الميل للعلويين. رغم انهم كانوا من الشيعة! الا ان تشيعهم ليس لـ (علي) وابنائه انما لجدهم (العباس) مؤسس دولتهم. وهكذا أستمرت تلك المواقف المتصارعة. ثم جاء (المنصور) ليؤكد حق خلافة المسلمين لجده (العباس). ليكون ذلك بداية ألأنشقاق بين الأسرة الهاشمية الواحدة (آل علي وآل العباس)..

يقول الوردي . اذن الخلاف بدأ عائليا . ثم تصاعد فأتخذ لونا دينيا حتى دخل في صميم (العقائدية والمذهبية) ليبلغ أشده أيام (الرشيد). ذلك الخليفة العباسي الشديد الكره (للعلويين) ولأتباعهم. حاول (المأمون) أن يصلح بين الأسرتين فلم يفلح, عندما أسند ولاية عهده للأمام علي بن موسى (الرضا) فثار عليه العباسيون. لينصاع الى ثورتهم فقتل (الرضا) !!!! وهنا مات مشروع الصلح والأصلاح نهائيا فيما بين المسلمين وخاصة بين تلك الأسرتين.

ثم يشتد عداء العباسيين للعلويين في عهد (المتوكل) . حتى أمر ألأخير (بهدم قبر الحسين)!!!!! ومنع الناس من زيارته وحدوث مشاكل وصراعات وتصاعد الحقد والكراهية والبغضاء بين العلويين والعباسيين.

ويؤكد (الوردي) ان الفقهاء ورجال الدين والكثير من المفكرين والفلاسفة قد ساءهم هذا العداء الناشب بين الأسرتين ,مع ميلهم نحو العلويين . حتى أن بعض العباسيين ارادوا التقرب والأعتذار والسماح الا أن ذلك لم يفد ولم يحقق نتائج حسنة. وتفضيل رجال الدين للعلويين على العباسيين لم يكن بدوافع التعصب انما بشعورهم بأن العلويين كانوا ثوارا على الظلم والجبروت والثائر اقرب الى روح الأسلام .

لقد تداخلت السياسة مع الدين ,وأختلط خداعها بنقاء القيم السماوية .. ولم تدخل السياسة فقط في جانب واحد انما في الأثنين. فكان مذهب التشيع في البدء عظيما وصحيحا كونه جاء ليمثل دور المعارضة . ولكن عندما دخلته السياسة افسدته. وأتباع سنة الرسول من أصحابه كانوا منطقيون وكانوا صحيحون وهم يقتفون أثر سيرة محمد ,ولكن عندما سيس بالأحزاب فقد براءة أيمانه.

لقد اغتالت (السياسة) عذرية (الدين). وفقد الكثير من الخلفاء والسلاطين والحكام توازنهم امام اغراءات السلطة مما ادى الى استنبات شعور بالأزدواجية ما بين تأييد (الشيعة) ثم النكال والغدر بهم. وبقاء الشعور لدى (السنة) بأنهم هم أصحاب السلطة وقيادة الدولة..

لقد دعا المرحوم الوردي الى نبذ كل أنواع المغالاة ومحاربة التقاليد البالية. وما النقاش في أحقية طرف على الآخر الا محض جدل عقيم لا جدوى منه سوى تأجيج نار الخلاف وتعطيل عجلة التطور وأزدهار الأسلام ومبادئه النقية. وكأنه يريد أن يقول أن ما حدث في لحظات ما بعد وفاة النبي محمد (ص) وبقاء أهل بيته الكرام بجانبه ينعونه ويبكون عليه وخروج اصحابه الى عقد أجتماع مهم عرف بـ (أجتماع السقيفة) كل ذلك الذي حدث كان طبيعيا جدا . ولم يكن أبدا سببا في شق المسلمين والذي جاء به بعض المنافقون .فـ (آل البيت) عز عليهم فراق نبيهم وهو أبيهم وولي أمرهم فبقوا يذرفون الدموع على فراقه. أما كبار المسلمين من الصحابة
فراحوا يهيئون لفترة ما بعد فراق النبي وماذا سيفعلون لبناء دولتهم الأسلامية الجديدة. فالطرفين هم على صح وصواب.

وما ذلك الا شبه بتقاليدنا العراقية الحالية. فعندما يموت شخص عزيز وذو شأن كبير في الحياة تبقى عائلته تعبر عن ألمها وحزنها على فراقه بالبكاء والسكون والقنوت والدعاء. أما كبار العائلة فيذهبوا لأعداد مجلس الفاتحة وأستقبال المعزين وتدبير ألأمور وتحمل المصيبة.

ثم ما جدوى كل تلك الجدالات عبر كل تلك الأعوام والسنين؟ وهل غيرنا مكان خليفة بمكان آخر؟ ثم ماذا حدث للأسلام ؟ هل الغته كل تلك الأعتقادات ؟ وهل اعدم كدين من ألأرض.. فهذه الصلاة لم تتوقف ولم تنقطع ولم يسهوها العابدون الحقيقيون.. وتلك مناسك الحج .. وذلك صوم رمضان.. والخيرون المؤمنون لازالوا يدفعون الزكاة... ولازال شعار لا اله الا الله محمد رسول الله عاليا يعانق اعنان السماء. فماذا حدث للأسلام ؟ وما الذي تغير؟ انه قوي بقوة الله.. الم تبنى المساجد والجوامع والحسينيات.؟ الم تستمر ألأعياد والطقوس والشعائر والمناسبات؟ لا بل صارت اشد وأقوى ...

وأذا كان (عليا) أحق بالخلافة من (أبو بكر) فهل بأمكاننا أن نعيد التاريخ لنزيح (أبا بكرا) ونتوج (عليا). الم يفتخر المسلمون بفتوحات ابا بكر وعمر وعثمان؟ الم يفتخر المسلمون بشجاعة علي وحكمته وفلسفته ونحن هاهنا ننبش بالقبور ونتعكز على احداث تاريخية لم نعرف صدقها من كذبها.
هاهو الأسلام يزهو بملايين المسلمين . تصدح مآذنه بـ (الله أكبر)...(الله أكبر) حي على الصلاة .. حي على الصلاة.. والمراقد والقباب تشع انوار البهاء والجلال..

وأذا كان (الحسين) قد أستشهد في سبيل تصحيح مسار الأسلام وثار ضد الأنحراف والجبروت والدكتاتورية . فهل نمجده ونعظمه ونذكره فقط بالبكاء واللطم والعويل ؟ أم بأستذكار عظمة موقفه لنستلهم منه دروس التضحية والأخلاص للمباديء. بدلا عن أستخدام قضيته كورقة دينية سياسية لتأجيج الصراع الطائفي وتعزيز نزعة (الثأر) . ترى من أين يأخذ أتباع الحسين (ثأرهم) ؟هل من المسلمين الذين هم الآن اخوانهم ؟ وهل أتباع الحسين ومحبيه هم أتباعه الحقيقيون؟ أم أن (الحسين) رمز عظمة الأسلام وهو الذي ابقى الدين وابقى العبادات والفرائض والطقوس. ليكون راية للحق على مر العصور والدهور.

ليترك المسلمون نقاشات وجدالات لا جدوى منها . وليعودوا الى صلواتهم وقرآنهم وصيامهم وزكاتهم وحجهم وتوحيدهم لله الواح الأحد. ويكونوا شجعانا وينسفوا كل ما يخطط لهم اعداءهم . وليبدؤا بأنفسهم حتى يغيرهم الله(بسم الله الرحمن الرحيم ..ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم.(11) الرعد