ففي عهده استكملت مدرسة أهل البيت ملامحها لقد اهتم الإمام الصادق(ع) ببناء الجماعة في الحقيقة أن شخصية الإمام الصادق أما منهج الإمام الصادق فقد برز في مجالين |
الإمام جعفر الصادق الإمام النابغة آراء الكاتب بقلم الدكتور رضا العطار ridhaalattar@yahoo.com
عاش الإمام جعفر الصادق (ع) في زمن التحولات الكبرى التي شهدت زوال الحكم الأموي الدموي الرهيب وقيام حكم عباسي غاشم نهض على جماجم ضحاياه من العلويين , كان الإمام في طليعة الذين صنعوا تلك الحقبة الحساسة من تاريخ الإسلام فقد وقف عليه السلام شامخا في قمة فقه أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام وأذا عرفنا أن الله لا يغير في قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم أدركنا عمق الدور الخطير الذي اضطلع به الإمام الصادق في إيقاف حالة التداعي الفكري التي عصفت بالأمة آنذاك .
كيف نجا الإمام من براثن حكم قام على أشلاء مذبحة عاشوراء؟ كيف أمكن لللامام أن يروض حكما قاسيا لا يعرف للرحمة معنى؟ ذلك هو السر في شخصية ألإمام الصادق عليه السلام. لقد كانت الأرض تهتز تحت قدميه وآلاف الدسائس والمؤامرات تحاك في الظلام في عصر لا يعرف الثبات، فكان على الإمام أن يكافح ويشق طريقه بعيدا عن ألاعيب الساسة المنحرفين. لقد أحرق الإمام جميع الرسائل التي تدعوه لزعامة . كانت الأحداث مثيرة مزلزلة عاصفة . لكن الإمام الصادق كان مطمئنا لأنه كان يعيش في عالم الحقائق همه الوحيد الحفاظ على كيان الأمة ووحدتها. هكذا عاش الإمام الصادق (ع) حياته كحياة الأنبياء وقد انطوت روحيته على مبادئ أجداده كمحمد وعلي والحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام.
هكذا تبوأ الإمام (ع) مركز الإمامة الشرعية بعد إبائه الكرام وبرز إلى قمة العلم والمعرفة . فقد كان مرموقا مهابا طأطأت له رؤوس العلماء إجلالا وإكراما لمكانته المقدسة فكانوا يرون فيه بحرا زاخرا للأفكار العالية. لقد عاصر الإمام (ع) الحكم الأموي قرابة الأربعين عاما وشاهد الظلم والإرهاب يمارس من قبل سلطة بني أمية ضد الأمة الإسلامية فكان من الطبيعي أن يرى الإمام نفسه بعد ثورة السبط سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء في طليعة قيادة الأمة الإسلامية.
لكن مدرسة الإمام الصادق(ع) في يثرب في الحجاز أخذت باب المبادرة متحدية سلطة بني أمية في الشام لنشر تعاليم آل البيت عليهم السلام . كانت هذه المدرسة تعد من الأحداث الخطيرة في ذلك الزمان فقد كانت تبني عقولا وتنشئ أجيالا وتؤسس صروحا من الثقافة ودنيا من التوجيه فتضع دستورا شاملا لإصلاح الحياة وتطويرها وتقدمها في جميع الميادين أن السبب الرئيسي في إنشاء مدرسة الإمام الصادق يعود إلى رؤية الإمام نفسه للأوضاع السياسية المضطربة آنذاك فعندما اطل الإمام على العالم الإسلامي رآه يموج بالفتن والنزاعات التي لم يلمس فيها أي اثر محمود فقد تحلل المجتمع وتفكك خاصة بعد أن أشعلت نار الحرب معظم حواضره أثناء انهيار الإمبراطورية الأموية في دمشق . إمبراطورية الظلم والجريمة التي بلغت ذروتها زمن الملعون المتهتك يزيد بن معاوية. كانت الأمور أسوأ مما يمكن تصورها فقد شاعت ضروب الفساد والتحلل الخلقي في أرجاء البلاد وعندما سقط سلطان بني أمية عام 132 للهجرة ثم آلت الخلافة إلى بني العباس كان الإمام الصادق (ع) يعاصر حكم المنصور ما يقرب من عشر سنوات . كان الإمام الصادق (ع) خلالها منصرفا عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء الأمة الإسلامية علميا وفكريا وعقائديا وأخلاقيا بناء يضمن سلامة الخط الإسلامي على المدى البعيد بالرغم من استمرار الانحرافات السياسية الفكرية في أوساط المجتمع الإسلامي .
أما في جانب الفلسفة التي أولاها الإمام الصادق (ع) اهتمامه نظرا لما تراود على العقل العربي من شكوك فلسفية نتيجة حركة الترجمة والاختلاط بالأمم الجديدة الداخلة في الإسلام. وهنا نجد الإمام قائما بتفنيد كل الأباطيل وإزالة الشبه وكشف القناع عن الحقائق وتوجيه إعداد من طلابه نحو التفرغ والعناية بهذا الجانب الفكري المهم . كما وأن هناك جانب آخر من جوانب المعرفة الإنسانية أولاه الصادق (ع) كثيرا من رعايته الا وهو علم الكيمياء.
حيث تمكن عالم الكيمياء المعروف جابر بن حيان من الاتصال بالإمام الصادق الذي أغدق عليه علوم الكيمياء في مدرسته. وأصبح بفضل تلمذته الواعية كيمياوي العرب الأول ثم أصبح على مر القرون قمة شامخة في تطور هذا العلم حتى قالوا أن اسم جابر بن حيان ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة أرسطو في تاريخ المنطق . ولم يكن لجابر أستاذ غير الإمام الصادق وقد كرر جابر اسم الإمام في أكثر كتبه وبتعابير مختلفة كان جابر تلميذا وصديقا للإمام الصادق (ع) وقد وجد في أستاذه الفذ سندا ومرشدا وموجها لا يستغنى عنه وقد سعى جابر لتحرير الكيمياء من أساطير الأولين فنجح في هذا السبيل إلى حد بعيد
يقول الحسن بن علي الوشاء أدركت مسجد الكوفة وفيه 900 شيخ كل يقول حدثني الإمام الصادق عليه السلام كذا وكذا كما يقول البحاثة الهندي السيد أمير علي. بعدما انتشر العلم في ذلك الحين أصبح في الإمكان فك الفكر من عقاله وأصبحت المناقشات الفلسفية علنية وفي متناول اليد وكان يتزعم هذه الحركة الفكرية حفيد الإمام علي بن أبي طالب الإمام جعفر الصادق الذي يمتاز بسعة العقل وغزارة الفهم فهو ملم كل الإلمام بعلوم عصره ويعتبر المؤسس الأول للمدارس الفلسفية الحديثة
ولم يقتصر علم الإمام على دول الجوار بل تعداها إلى دول أوربا وبقيت علومه في الرياضيات والطبيعيات والكيمياء تدرس في معاهدها طيلة القرون الوسطى . فمدرسة الإمام الصادق (ع) هي التي فتحت باب الاجتهاد لأول مرة وكان له التأثير الكبير على نمو المذاهب وازدهارها. يعلق العالم المصري أبو زهرة فيقول تنمو المذاهب لو كان باب الاجتهاد مفتوحا لغرض حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية ومعالجتها بما يناسبها من غير تجاوز لحدود النص وإننا نعتقد أن المذهب الجعفري هو الذي فتح باب الاجتهاد وكان مصيبا،
لقد ارتأى الإمام الصادق أن السلاح في ذلك العصر لا يحل مشكلة ولا يرفع ظلامه عن مظلوم. كان رأيه أن يثقف الفرد ويقضي على الجهل ليصبح قادرا على المطالبة بحقوقه. وقد رفض العروض الداعية لأن يقحم نفسه في الكفاح المسلح ضد الأعداء لرؤيته في عدم جدوى ذلك وتجنب زج المؤمنين في معركة خاسرة.
بدأت في عصر الإمام تطغى روح الانهزامية بدعوى الزهد والإيغال في التصوف والاستغراق فيه لحد تخرجهم من حقيقتهم الخيرة لذلك حثهم الإمام على الجدية في الحياة والعمل من اجل العيش الكريم فكان يقول أن الله يحب الجمال والتجميل ويبغض البؤس والشقاء ولما انعم الله بنعمته على عبده أحب إليه أن يرى أثرها عليه فلما سئل كيف ذلك قال ينظف ثوبه ويطيب رائحته ويكنس أقبيته ويجصص داره.
كان الإمام يهوى الافئدة بسبب صفاته الحميدة التي كانت امتدادا لأخلاق جده رسول الله (ص) ومن الصفات البارزة في شخصه هو الصبر وعدم الجزع أمام ما يلاقيه من عظيم المحن والخطوب أما في مجال طلب العيش فكان الإمام (ع) يمارس فلاحة الأرض في مزرعته يمسك المسحاة ويحرث الحقل ويفتح الماء ويجمع الثمر ويجهد نفسه بمختلف ضروب العمل الشاق حتى لا يكون بحاجة إلى من في يد الناس فكان يكرر ويسمع الحضور بقوله أن إيذاء الجسم بحر الشمس أحب إليه في طلب الرزق لقد كان عليه السلام القدوة الحسنة في الكسب الحلال لمن يريد الاقتداء بسيرته والسير على تعاليمه.
كان الإمام الصادق (ع) يتمتع باحترام مفرط من مجتمعه الذي كان يقابله بالإجلال والتكريم فكانوا يدركون سمو مقامه وحتى الملحدين منهم فهذا ابن المقفع مثلا يقول لرفيقه ابن العوجاء عندما كانا معا في المسجد الحرام لا احد من هؤلاء القوم في المسجد يستحق صفة الإنسانية إلا هذا الشيخ الجالس هناك مشيرا إلى الإمام الصادق .
من مؤلفات الإمام الصادق (ع) 1 - رسالة إلى النجاشي والي الأهواز 2 - رسالة في الخصال الحميدة 3 - في خلق الإنسان 4 - توحيد الفضل (طبع على الحجر) في مصر وقرأ في مجلة المقتبس 5 - مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة 6 - وصيته لابن النعمان الأحول 7 - في أصحاب الرأي والقياس 8 - وصيته لعبد الله بن جندب 9 - في الغنائم ووجوب الخمس 10 - نثر الدرر 11 - في وصف المجد لأهل البيت 12 - في وجوه معايش العباد 13 - احتجابه على الصوفية 14 - حكم لشخص الإمام جعفر الصادق (ع)
أما في مجال سعة الاطلاع والعلم والمعرفة فيذكر ابن شهر أشوب في مناقب الإمام قائلا انه لم ينقل العلماء والفقهاء عن احد مثلما نقلوا عن جعفر الصادق (ع) وعندما جمع الرواة أسماء أصحاب الحديث كان عددهم يناهز أربعة ألاف اتفقوا جميعهم على أن التراث العلمي الغزير الذي خلفه الإمام الصادق (ع) للأجيال القادمة تراث عظيم زاخر بالغنى والعمق والابتكار ما يهز العقول وقد أجلى الإمام (ع) عن خفايا وغوامض عدد من العلوم فاثري بهم الفكر الإنساني ثراء كبيرا وانفتحت بهم أمام العقل آفاق كثيرة لم يكن الإنسان يدركها من قبل ولم يسبق له التعمق فيها والاطلاع على مضامينها من كنوز العلم والعرفان.
عندما توفى الإمام الصادق رثاه حتى أعداءه فهذا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يقول (بلغني أن سيدهم وعالمهم الإمام جعفر الصادق الذي كان من الأخيار وقد وافاه الأجل) .
في الختام أود أعزائي الحضور أن أعطر حديثي هذا ببيت شعر روي عن الإمام عليه السلام قوله لا تجزعن عن المداد فأنه عطر الرجال وحلية الآداب
الدكتور رضا العطار 6 شباط 2006 |