Back Home NextBack to Subject-Page

 

العراق المصغر ....الكرادة الشرقية نموذجا

بقلم: ازهر مهدي

 
الكرادة الشرقية (المعروفة تاريخيا بكلواذا) منطقة بغدادية تقع على الجانب الشرقي لنهر دجلة الذي تطل عليه من جانب الرصافة لذلك سميت بالكرادة الشرقية تمييزا لها عن الكرادة الغربية التي تقع في منطقة الكرخ، وسميت الكرادة نسبة إلى آلة من آلات سقي المزروعات والتي جمعها الكرود ،و كانت الكرادة الشرقية عام 1917 عند دخول الإنكليز قرية صغيرة فيها بضعة قصور لأثرياء بغداد والباقي دور للفلاحين، معظمها مشيد من الطين ومنذئذ اشتهرت المنطقة بهذا الاسم، فسميت قريتهم بالكرادة، ويقال ان سبب التسمية ان اهل منطقة الكرادة كانوا يحملون الخضر التي يزرعونها إلى بغداد على ظهور الدواب فقيل لهم الكرّادة من كرد الدابة إذا سيقت والنسبة لهم كرّادي ,, وقيل أن اسم الكرادة أطلق على المنطقة التي كان يتجمع فيها الفلاحين لكرد النخيل الذي كان منتشر بشكل كثيف في هذه المنطقة.

سكنها الكثير من اسر بغداد العريقة التي هاجرت من بغداد القديمة في الأربعينيات، وتعتبر من اعرق وأرقى أحياء بغداد حالياً واليوم أكثر سكانها من المسلمين الشيعة بدليل كثرة المساجد والحسينيات فيها والمؤسسة في بداية ومنتصف القرن العشرين, منها حسينية الزوية ـ أحد أهم وأكبر الحسينيات في العراق ـ ومسجد الزوية وحسينية الحاجة سعدةـ في منطقة الجادريةـ وحسينية عبد الرسول علي ـ مقابل شارع عباس الديك ـ وحسينية الرسول الأعظم ـ قرب مستشفى الراهبات ـ وحسينية ألبو شجاع ـ في منطقة ألبو شجاع بالقرب من الجسر المعلق ـ وحسينية ألبو جمعة ـ قرب منطقة رخيتة ـ.

الوجود السني في الكرادة واضح أيضا وقد هاجرت العديد من العوائل السنية الى الكرادة الشرقية واستقرت فيها وأصبحت جزءا من النسيج الاجتماعي يتجاورون جنبا إلى جنب مع بقية العوائل المسلمة وغير المسلمة ولديهم العديد من المساجد هناك أشهرها جامع الكيلاني والخضيري وهم يمارسون مهنهم وطقوسهم بكل حرية وأمان.
ويأتي المسيحيين بعد المسلمين من حيث تعداد ساكني الكرادة ولديهم كنائس وأديرة هناك من أشهرها كنيسة مريم العذراء والتي تعتبر رمزا من رموز المنطقة ويديرون أشهر مشفى فيها وهو مشفى القديس رافائيل ( الراهبات ) الذي كان وما يزال يقدم خدماته للجميع من دون تمييز.

غادرها آخر اليهود بعد حرب عام 2003 وقد كان يسكنها قديما العديد من اليهود، وفيها حي يسمى بالسبع قصور نسبة إلى قصور اليهود السبعة في تلك المنطقة ، ومنطقة رخيتة والتي سميت بهذا الاسم نسبة إلى عائلة رخيتة اليهودية الغنية والتي كانت تمتهن التجارة في هذه المنطقة العريقة من بغداد. وقد كان اليهود في عقد العشرينيات والثلاثينيات أغلبية ساحقة مع المسيحيين حتى مجيء عمليات الترحيل القسرية لليهود التي قامت بها الحكومات الملكية والجمهورية المتعاقبة.
ازداد عدد المهاجرين او المهجرين إليها بعد أحداث عام 2003 واتسع صدر المنطقة لإيواء جميع المتضررين من مختلف الطوائف والأديان والقوميات في العراق من دون ان يتعرض لهم احد او يحاول استغلالهم رغم جميع الهجمات الوحشية والغير إنسانية التي طالت المنطقة بسبب هجمات القاعدة والتي هدفت الى زعزعة حالة السلام الاجتماعي الذي عرفت به هذه المنطقة بسبب المستوى الثقافي العالي الذي يتمتع به ألأهالي.

ويمكن القول ان هذه المنطقة هي بمثابة العراق المصغر تجمع كل الوان الطيف العراقي بقومياته وطوائفه ومذاهبه وأقلياته فهناك الكنائس والجوامع والحسينيات وهناك الوشائج الاجتماعية وروح التآخي والالفة بين أبناء المنطقة منذ ان نشأت وتطورت مع مرور الزمن ولم تعد منطقة البساتين والمزارع بل تحولت الى منطقة تجارية كبرى حيث تغص محالها بأغلب المعروضات النسيجية والجلدية والكهربائية والإنشائية فضلا عن تنوع وتعدد أسواق الخضر والبقالة والأفران والمخابز القديمة والحديثة الى جانب المطاعم المتخصصة ومطاعم الوجبات السريعة، وهي اليوم تحتضن أكثر من مؤسسة ودائرة رسمية مهمة ومن بينها العديد من الوزارات الحكومية، مثل الاتصالات، والعلوم والتكنولوجيا، والتخطيط والتعاون الانمائي، الى جانب المصارف الاهلية والحكومية ومحال الصيرفة بشكل لافت للنظر مما يدل على اهمية المنطقة وحيوية الأنشطة والفعاليات الاقتصادية والتجارية فيها كما تضم المنطقة المشافي الحكومية والاهلية المتخصصة الى جانب المئات من عيادات الأطباء ونذكر من ابرز هذه المشافي مشفى الراهبات التي ذكرناها سابقا، مستشفى الواسطي، مستشفى الشيخ زايد، مستشفى كمال السامرائي، مستشفى دار النجاة، مستشفى د.عبد المجيد حسين، مستشفى الجراح وايضا تضم المنطقة فنادق الدرجة الأولى والممتازه حيث تعقد فيها المؤتمرات وتنظم المهرجانات والفعاليات المتنوعة وهي مركز لاستقطاب رجال الاعمال ومن هذه الفنادق فندق بابل والميرديان والشيراتون والكرمة والحمراء وسواها من العشرات من معالمها المعروفة والبارزة اليوم ومنها مرقد السيد إدريس والجسر المعلق والجسر ذو الطابقين ومبنى جامعة بغداد وجامعة النهرين وجامعة الحكمة (الزعفرانية) والجامعة التكنولوجيا، ولا ننسى المسرح الوطني هذا الصرح الفني الكبير ونصب كهرمانة، ومن ابرز ساحاتها ساحة الحرية وساحة الواثق وساحة الأندلس خلافا لشوارعها التي يأتي في مقدمتها شارع ابي نؤاس بعد ان استعاد عافيته وعادت الخضرة والأفراح تلون ايام الأهالي في الأعياد والمسرات كذلك تضم بين أزقتها ومحلاتها العديد من المطابع الحديثة ودور النشر ومراكز الطباعة ومؤسسات صحفية والعديد من القنوات الفضائية كالسومرية والفرات وبلادي وسواها.

فهل سينظر العراق الى الكرادة الشرقية كنموذج للتعايش السلمي والانساني من دون تقاتل او تنافس او تعصب ، لقد اثبتت هذه المنطقة انهم يمكنهم ذلك وان والامر لا يتطلب منهم الكثير سوى القليل من التسامح والحكمة بدلا من الخوف والكراهية.


 Back NextHome Pagego to top of page