Back Home Next

نبينا محمد، عليه افضل الصلاة و السلام

آراء الكاتب

 بقلم الدكتور رضا العطار

ridhaalattar@yahoo.com

 

وفم الزمان تبسم ودعاء

 

ولد الهدى فالكائنات ضياء

 . كان ذلك عام 570 ميلادية

فالرسول الاعظم محمد هو بن عبد الله بن عبد المطلب، عظيم مشايخ مكة واميرها، وباني الركن الثالث من اركان سلطة قريش الشامخة،  تاج هامات بني هاشم واعيانهم. وبنو هاشم كما وصفهم الجاحظ: ( هم ملح الأرض وزينة الدنيا والسنام الضخم والطينة البيضاء وينبوع العلم ولباب جوهر كريم ). يرجع نسبه بعد تسعة عشر ظهرا الى جده الأعلى عدنان، اصل العرب.  وفيه يقول الشاعر عبد الباقي العمري:

ببطن مكة وسط السُعد قد وضعا

 

 انت العلى الذي فوق العلا رُفعا

كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله احسن الناس خلقا، واعذبهم حديثا واعظمهم امانة وابعدهم عن العادات التي تدنس الاخلاق. انه كان افضل قومه مروءة واكرمهم مقاما واكثرهم رفعة حتى سماه قومه بالصادق الامين لما جمع في خصاله من الامور الصالحة والفعال السديدة كالحلم والصبر واصراره على اقامة مجتمع العدل الاجتماعي فضلا عن تواضعه واتسامه بصفة الجود والشجاعة الفائقة حتى شهد له بذلك الد اعدائه.  

كان رسول الله عليه السلام من اكثر الناس اقبالا على العمل الجاد لأصلاح الحاضر والمستقبل. وكانت همته طوال الوقت متجهة الى تقوية أمّته في ازدياد وعيها وتحضرها ليتحرر من عادات الجاهلية، واذا كان رسولنا هو خير الرسل فلا بد ان تكون أمّته خير الأمم. وان ما عمله النبي محمد عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة خلال سنوات معدودة لا يعمله غيره في سنين طويلة،  وذلك ايمانا منه بالعمل الصالح.  

وقد اعتقد الماضون ان (العمل الصالح) مقتصر على العبادات فقط. وعلى هذا الظن الخاطئ قام معظم الفقهاء بتأليف المجلدات بهذا الخصوص. في الوقت الذي لا يحتاج الرجل المؤمن الى اكثر من نصف ساعة من وقته في اليوم للعبادة. وكان بأمكانه ان يستفيد من اوقات فراغه في خدمة مجتمعه عن طريق ممارسة الاعمال الخيرية كأن يهتم مثلا بدراسة المياه العذبة ويجعلها صالحة للشرب بعد معرفة كيفية تصفيتها وتوزيعها في انابيب كي يستخدمها الشعب، فيكون بهذا الجهد المشكور اقرب الى الطهارة والنقاء.  لكن الامور كانت تمشي مع الاسف على عكس ذلك، حيث كان هؤلاء الفقهاء يؤكدون دوما ضرورة النظر الى الوراء والاقتداء برأي السلف، علما ان الاسلام كانت نظرته تفاؤلية، يحث المسلم ان يتطلع الى عصر التنوير. والقرآن الكريم لم يأمر المسلمين التمسك بآراء الأقدمين والسير على نهجهم في قوله تعالى:

( بل قالوا انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مهتدون ) سورة الزخرف.

ومن الغريب ان نرى فقهاء القرن الرابع الهجري يتمسكون بالموروث حتى صار في نظرهم بان اية مخالفة هي بدعة، علما ان البدع هي في الواقع اساس الابتكار والتقدم وما هذه المنجزات الحضارية التي نشاهدها في عصرنا الحاضر الا نتيجة البدع. فكيف نصدق قول الفقهاء بان النبي الكريم قال: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؟ 

وقد زاد في الطين بلة بعد ان الّف الفقيه الاندلسي ابو بكر الطرطوشي كتابا سماه –البدع– قال فيه ان البدع كلها خروج عن الاسلام. فأنت اذا لبست ثوبا لينا خرجت عن الاسلام واذا فرشت دارك بسجاد فاخر خرجت على الاسلام واذا تاجرت مع غير مسلم خرجت على الاسلام. أفلا يوصف مثل هذا الرجل بقوله تعالى: (انا جعلنا في اعناقهم اغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمحون)؟  

ان السنة النبوية التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام هي غير السنة التي كتبها الفقهاء. فسنة نبينا هي كل ما ورد في القرآن الكريم بينما سنة الفقهاء هي كل ما ورد على لسان الرسول من قول او فعل او نهي، مما يناقض قول رسول الله عندما قال عند دخوله مكة: اسمعوا يا اخوة الدين ! خلوا بيني وبين الناس. ولا تنقلوا عني غير القرآن.  

لقد ادرك محمد صلى الله عليه وآله ان رسالته تحتوي على الحدود والوصايا والافكار الظرفية، اي ان القرآن يتطور تفسيره مع الزمن. فالنص ثابت لكن المحتوى متحرك. لقد جاء الاسلام بهدف نقل الامة من حالة الفوضى الى دولة القانون. فهي دولة مدنية قبل ان تكون دينية لان شروط الدولة المدنية هي الدستور والقانون بينما الفقهاء لا يعترفون بالحقيقة، وقد سيجوا انفسهم بقدسية السر الوهمي الذي به يدعون (قدس الله سره). ولا ندري عن اي سر يتحدثون؟ والرسول الاعظم هو اول من تنبه الى ذلك مشيرا في الفقرة الثانية من الدستور النبوي الذي اصدره في المدينة المنورة قائلا: (المساواة بين الناس في حقوقهم وواجباتهم هي لأمة الأسلام).

فمفهوم الابداع يعني ايجاد الشئ من لا شئ كما في ( بديع السماوات والارض ) سورة البقرة. والبديع في هذا السياق يعني ادراك العلاقات بين الظواهر الطبيعية والاجتماعية وعقلنتها واستخراج المعنى الصحيح بشأنها يخدم حتمية التطور.

اما مفهوم الخَلق فهو ايجاد شئ من شئ كما في (خلق الانسان من نطفة) سورة النحل.

واما الاكتشاف فهو التوصل الى معرفة شئ له وجود سابق لكنه مجهول، كأكتشاف الانسان للنار مثلا.

كما تتجلى غريزة الابداع عند جماعة المفكرين في معرفة ما ينور عقول الناس، يجعلهم يتحركون الى تحقيق ما هو خير لهم. وقد يلقي كثير من هؤلاء المبدعين مخاطر جمة قد تؤدي بحياتهم احيانا، انهم في العادة فئة صغيرة جدا نطلق عليهم مصطلح (النخبة) هؤلاء هم الذين يغيرون عادات وتقاليد ومعتقدات مجتمعهم على نحو اكمل واحسن، كما انهم هم الذين يضحون بالغالي والنفيس في سبيل ان يفتحوا لأقرانهم طريق الرفاهية والازدهار، كما ظهرت هذه الخصلة الحميدة جلية واضحة في شخص نبي الاسلام محمد عليه افضل الصلاة و السلام، فلولا تصديه لقوى الشر في الجزيرة العربية واقتحامه حصون الجاهلية لما كان قادرا ان ينقل اهلها من عصر التخلف الى عصر التحضر وذلك بهداية القرآن وما حمله من قيم انسانية عالية ومعايير اخلاقية فاضلة. فرسولنا الكريم كان حقا نموذجا ساطعا للأنسان المبدع.  

لقد وضع النبي الكريم للأمة الاسلامية في مكة وبعدها في يثرب قيادة حكيمة تختلف في نهجها عن كل ما عرفته الانسانية من قبل في افكارها واهدافها. فقد اتسم هذا النهج في عمران الارض وجاء التحدي أستجابة لمعركة التغيير والتقدم. وكان العمل الصالح يجري بهذا الاتجاه. ولم تكن ادارة الرسول الاعظم لشؤون المسلمين قائمة على اصدار الاوامر انما على نظام الشورى. ولقد حكي خادمه انس بن مالك ان النبي الكريم لم يرفع صوته يوما مع محدثيه ولم يدع الغضب يستولي عليه مهما اخطأ معاونوه. انه كان هادئا يتصرف في صبر و تأني بعد ان يكون قد تشاور مع اصحابه فيما جل من الامور.  

وكان الاتفاق الذي حصل بين محمد صلى الله عليه وآله واهل المدينة يسمح له بالتصرف في اراضي الحجاز التي لم تكن تعود لأحد. فأعطى للمهاجرين والطارئين على المدينة من المسلمين قطعا من الارض ليبنوا فيها حوائطهم كما كانوا يسمون بيوتهم واخرى تجانبها ليزرعوا فيها ما يروق لهم. وبذلك كثرت الاسواق في المدينة المنورة وانصرف الناس الى التجارة وزاد عدد السكان وارتفع شأن المجتمع.  

يعتبر نبي الاسلام محمد عليه السلام المعلم النموذجي في نشر الاخلاق الفاضلة بين سكان شبه الجزيرة العربية. فحينما جاء الرسول الكريم الى يثرب في العام الاول للهجرة رأى القبائل العربية في  نزاع وتناحر لا ينقطع،  خاصة بين قبائل الاوس والخزرج فشرع بعملية الوفاق والمصالحة، فقد كان العرب يومذاك مثقلين بعادات الجاهلية، كل قبيلة تنظر الى الاخرى بعين الشك والريبة  تعتبرها عدوة لها. لكن نبي الاسلام امرهم بان يتخذ كل مسلم منهم فردا من قبيلة اخرى ويعتبره اخا له ... فالمؤمنون في الدين اخوة. وبعدما سمعوا اقواله واستوعبوا معانيها جيدا، أطاعوه. وبمرور الزمن تحرروا من وزر تقاليدهم البالية واصبحوا مجتمعا متحليا بالفضائل. وان ما جاء في سورة الانفال: ( لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) تؤكد ما اقول. 

لقد كان السبب المباشر في نجاح الدعوة الاسلامية هو التطبيق العملي لثوابت القرآن في المجتمع الجديد بعيدا عن اساليب العنف، فليس بمستغرب اننا لانجد كلمة العنف يرد ذكرها في القرآن قط ---  وعندما وجد الرسول الاعظم ان العلاقات الاجتماعية بين المهاجرين والانصار بفعل خطبه التهذيبية في التوجيه و الارشاد قد تطورت نحو الأحسن تجمعهم روح التعاون والوئام وقد تخلصوا من عادات الجاهلية، انذاك غمرته الغبطة واطلق مصطلح (الطيبون) على اهالي المدينة المنورة. 

لقد كانت فكرة بناء مسجد للمسلمين هي الخطوة الاولى في ارساء دعائم مجتمع الألفة. فكان الرسول الاعظم هو صاحب هذه الفكرة ومهندسها وبانيها، هذا المسجد الذي اقامه النبي الكريم  بنفسه عاونه جماعة من المسلمين. أقامه وسط المدينة، واسماه مسجد الرسول. كان ذلك في العام الاول للهجرة.  انه كان بالغ البساطة،  يتضمن الحد الادنى لأقامة شعائر الدين، ففيه بيت الصلاة والصحن والقبلة والمحراب والمنبر،  وهذه هي الاجزاء التي لا يستغنى عنها جامع اسلامي، اما الاجزاء الاخرى مثل المئذنة والقبة فهي محسنات ابتكرت فيما بعد. لقد بُني الجامع على هيئة  مستطيل كان طول ضلعه 70 ذراعا وعرضه 63 ذراعا. وجُعل جداره الشمالي ناحية القبلة وكانت القبلة يومذاك بيت المقدس. وبمحاذاة ذلك الجدار انشئت ظلة غُطي سقفها بالسعف، رُفع على ستين من جذع النخيل. يلي ذلك جزء واسع غير مغطى يسمى الصحن. وفي ايام الجمع كان بيت الصلاة والصحن يستعملان للصلاة. والى الشرق من تلك الظلة ابتنى الرسول حجراته التي عاش فيها بقية عمره كانت ابوابها تفتح على صحن الجامع ولم يكن لها ابواب بل كان لها ستائر من الحصير. وفي جوف بيت الصلاة وضعت حربة تعين اتجاه القبلة وسمي بالمحراب. والى يمين المحراب بُني شئ اشبه بسلم من بضع درجات ينتهي الى موضع صغير يقف عليه الرسول عليه السلام ليلقي خطبه وهذا هو المنبر. وقد بنيت جدران الجامع من اللبن. اما الأذان فكان ينشده بلال الحبشي من أعلى سطح، هو سطح غرفة السيدة حفصة ام المؤمنين.  

لم تكن المساجد في صدر الاسلام مجرد مكان للعبادة انما كانت بمثابة برلمانات شعبية كذلك. حيث كان المسلمون بعد صلاة الجمعة يتناولون بحث مشاكلهم وشؤونهم العامة، يتحاورون ويتناقشون بصراحة وحرية،  ثم يصدرون القرارات الصائبة التي كانت تطبق على ارض الواقع بقوة القانون ولهذا كانت الروح الديمقراطية سائدة في الدولة الاسلامية الناشئة لم يضاحيها اي نظام آخر على وجه الارض اطلاقا.  

فالاسلام الذي جاء به محمد هو دين اخلاق ومحبة يحث الانسان ان يتعلم ويتطور ليغدو اكثر نفعا لنفسه ومجتمعه. وفي هذا السياق يقول خليفة المسلمين علي بن ابي طالب عليه السلام: (عليكم بالتواصل والتبادل واياكم بالتدابر والتقاطع).

ان المبادئ السامية التي نادى بها الرسول قد افضت روح العدالة الاجتماعية على ابناء البشر اجمعين، فقد ساوى الانسان الابيض والاسود والاسمر والاصفر وشملهم برعايته مؤكدا على حقوقه في الحياة الحرة الكريمة قبل ان يفكر به الغرب بأكثر من الف سنة.  فلا عجب ان يصرح شيخ فلاسفة الانكليز برنارد شو ما نصه:

(ان جهل رجال الدين عندنا في القرون الوسطى جعلهم يرسمون لدين محمد صورة قاتمة. لقد كانوا يعتبرونه عدوا للمسيحية. لكني اطلعت على امر هذا الرجل فوجدته اعجوبة خارقة، وتوصلت الى انه لم يكن عدو للمسيحية بل يجب ان يسمى منقذا للبشرية . وفي رأي:  لو تولى محمد امر عالمنا اليوم لوفّق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر اليها. اني اعتقد ان الديانة المحمدية هي الديانة الوحيدة التي تجمع كل الشرائط المرافقة للحياة. لقد تنّبئت في ان دين محمد سيكون مقبولا لدى اوربا مستقبلا. وما احوج العالم اليوم الى رجل مثل محمد)

فعلاقة المسلمين مع بعضهم اتسمت بالتوافق والتناسق فلاطبقات ولا مراتب ولا تفاضل الا بالتقوى اي بالعمل الصالح. والسياسة لا تدخل في لفظة التقوى. لأن السياسة التي كانت سائدة في الحجاز زمن الجاهلية. لم يعرفها الرسول عليه الصلاة السلام. وعندما بزغ فجر الاسلام وبدأ يدعوا الناس للدخول في الدين الجديد  تجمع المشركون حوله وعرضوا عليه فيضا واسعا من المال والمراتب مقابل ان يترك دعوته،  لكنه رفض، لان اسلوب حياتهم كان يتعارض مع اسلوب حياته بفعل مبادئه الراقية.  

كان الرسول الاعظم  يقود مجتمع المدينة قيادة جماعية. فقد جعل الاهالي ينتخبون اثنى عشر نقيبا ليشاركوه في ادارة مدينتهم. وكانت روح الشورى تتجسم في اعمالهم وقد وضع النبي الكريم بعد وصوله الى المدينة المنورة بخمسة سنوات دستور المدينة، وضعه بالتشاور مع الجماعة المنتخبة حدد فيه الحقوق والواجبات لكل مسلم، فأستبشرت به الأمة والتزمت به، هكذا سارت الادارة الدينية ايام النبي الأكرم  سيرا جميلا. 

ولو اننا القينا نظرا سليما على ما جرى في السقيفة يوم رحيل الرسول الاعظم والذي كان هو السبب الرئيسي لكل المتاعب التي لاقتها امة الاسلام فيما بعد. فقد كان على هيئة الشورى ان تسير على نهج هذا الدستور.  دستور المدينة،  فتختار هيئة التشريع وتقرر مدة الرياسة وتعين حقوقها وحدودها وتضع نظام انتخابها وصلاحياتها وتحدد سلطتها، لتمشي امور المسلمين فيما بعد كما ارادها نبي الاسلام. لكن كل هذا لم يحدث ابدا. 

ان الروح السامية التي غرسها نبينا محمد صلى الله عليه وآله في نفوس القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية كانت بمثابة بذرة الاشتراكية الحميدة. تجلت في غناء كوكبة الشرق ام كلثوم عام 1950 حين انشدت قصيدة نهج البردة وهي تقول:

فالكل في حق الحياة سواء

 

انصفت اهل الفقر من اهل الغنى

 وختمتها بعبارة:

الاشتراكيون انت امامهم.

فالافكار العالية التي افضي بها الاسلام على امة محمد قد نورت شعوب العالم اجمع وعلمتها معاني الاخاء والمحبة والسلام. والتي تجلت في قيم العدل والمساواة في نهج  خلفائنا الراشدين العظام.                                

 Back Home Next