Back Home Next 

القَصَص في القرآن... لماذا ؟ دراسة علمية موثقة
 

تأليف الدكتور: محمد شحرور
عرض الدكتور: عبد الجبار العبيدي - بتصرف

jabbarmansi@yahoo.com

 

ان قصص الانبياء والرسل التي وردت في القرآن الكريم هي من الجزء المتغير من النص، اي جاءت من تراكم الأحداث الانسانية بعد وقوعها،

وهي من وحي أمام مبين: (والأمام المبين هو آيات ظواهرالطبيعة المتغيرة) وليس من اللوح المحفوظ:

(واللوح المحفوظ هو لوحة التحكم في الكون ضمن برمجة القرآن الكريم في داخله وقبل نزوله الى الأرض)،

ثم يأتي الكتاب المكنون:(وهو البرنامج الذي بموجبه تعمل قوانين الكون العامة وتنفيذها من قبل صاحب الكون (الله) أي المراقبة في حالة الخروج على قوانين الطبيعة في الحق والعدل بين الناس)

 

لذا فأن قوانين العقاب والثواب جاءت كنتيجة حتمية لظواهر الطبيعة المتغيرة. وقد أوردتها القصص القرآنية لتذكير الخارجين عليها بتطبيق القوانين. لذا قال الحق: (هو الله في السماوات وفي الأرض يعلمُ سركم وجهركم ويعلمُ ما تكسبون، الأنعام 3).  فهل فهم الفقهاء هذه الفلسفة الربانية في هذا الزمن المتقدم من تاريخهم؟ وهل من حقهم ان يحتكروا التفسير؟

ولان ما جاء في القرآن اعتبرحقا وصدقا، لذا اعتبرت من القصص الواقعية ولا تمت الى الخيال بصفة،  لذا قال عنها القرآن الكريم: (انها الحق)، (نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13). وقال: (ان الحكمُ الا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين،الانعام 57).

فالقصص القرآنية والتي سماها بأحسن القصص تعطينا خط تطورالتاريخ الأنساني بالمعرفة والتشريع، أي التفاعل الانساني مع الوجود الآلهي والكوني بالعقيدة، والتفاعل الانساني مع التشريع بالسلوك، وليست هي قصص اوردها القرآن على سبيل العضة والاعتبار. فهي قوانين آلهية لا تخرق، وليست هي من أساطير الأوليين كما فسرها الفقهاء خطئاً. لذا من الواجب ان تخضع لتأويل العلماء مجتمعين لا مفرقين. ومن عضاتها  تؤخذ القوانين الحدية التحقيق لأنها منفعة للناس أجمعين. وهكذا كان العقاب بالغرَق والانتقام من مخالفيها كما في فرعون وقوم نوح ولوط وهود وعاد وثمود، ويقول القرآن: (وثمودا فما أبقى) حين حل عليهم الفناء من رب العالمين، لانها آيات حدية ليست قابلة للتفسير. فالذين يعتقدون تنفيذ الباطل وتجاوز حقوق الناس بالقوة فلينتظروا اليوم القريب الموعود؟ والله الكريم لا يخلف صدقه ووعده.

من هنا فاننا نعتبر ان قصتي نوح وهود منسوبتا الى المعرفة الانسانية بخط تطور التاريخ زمنيا لتصبحا قوانين غير قابلة للخرق.

ان آيات جدل الأنسان الربانية قسمت التاريخ الانساني الى قسمين:

التاريخ القديم:

 وهو الفترة الزمنية بين بداية ظهورالأنسنة وبين تشكيل اللغة المجردة في أبسط صورها، وبالتالي شكلت مجتمعا أنسانيا أصبح بأمكانه أستقبال الوحي وتلقي التعليمات الخاصة بالحياة العامة، اي ابتداء مرحلة التجريد من قبل نوح.

أما التاريخ الحديث:

 فهو بدأ من تاريخ تشكيل اللغة المجردة في أبسط صورها وظهور المجتمع الانساني الذي يتحدث هذه اللغة، وظل هذا الامتداد التاريخي الى اليوم وفي تطور مستمر (فلا تاريخ وسيط كما يدعي اصحاب نظريات التاريخ الحديث)، وأبتدأ الأنسان الحديث والمعاصر بنبوة محمد(ص). وهذا دليل قاطع لا يقبل الشك ان النص القرآني ثابت لكن محتواه متحرك ليتلائم مع التطور الزمني للانسان، ولا مقدس الا الله، (وان اصحاب نظريات التقديس لهم في ضلال مبين، البقرة آية 174 ). وان نظرية الترادف اللغوي التي بنى عليها الفقهاء تفسيرهم للقرآن، هي نظرية خاطئة أماتت عندنا نظرية التغيير والتحديث الفكري العام، مما يدحض اصحاب فكرة السلف الحالية الذين يعتقدون بأهمال الزمان والمكان واغتيال التاريخ واسقاط العقل ويبنون نظريتهم على النقل والتقليد.. ويعتبره هروباً  من تحديات التطور الزمني التاريخي، اي  أنهم يبحثون عن الذات في فراغ وليس في ارض الواقع. اي انها نظرية ميتة مخترعة لا جذور شرعية لها. 

لقد غطى القرآن المراحل المهمة في فترة الانسان القديم فقط مثل حركة أكتشاف النار وسكن الكهوف ودفن الموتى، لينتقل الى التطور العام في حضارة البشر فيما بعد.

وهذا الانتقال الحضاري لغويا ومعرفة غطاها بالقصص الواقعية التي بدأها بقصة نوح تليها زمنيا قصة هود. علما بأن القصص القرآني لم تعطِ التفاصيل الجزئية بكل دقائقها، وانما أعطى مؤشرات مهمة لأستنباط خط تطور التاريخ. كما يقول الحق: ( تلك القُرى نقصُ عليك من أنبائها،الأعراف 101). ان ذكر المعلومات الواردة في القصص القرآني جاءت (للتبعيض)، والتبعيض معناه الأبلاغ عن أساءة الأستخدام، وهو الرجوع من فقيه الى اخر دون التأكد من سلامة الرأي في التفضيل. وهذه النظريات العلمية لم يدركها المفسرون في القرن الثالث الهجري وما بعده. لذا فالقرآن بحاجة الى تأويل لمعرقة مقصود النص دون تداخل في المعنى اللغوي له.

لقد جاء ذكر نوح في ثمانٍ وعشرين آية مقدسة، وجاء ذكر هود في سبعة عشر آية، نستنتج منها العضات والعبر والقوانين الربانية في الجزاء والعقاب والحق والباطل والحلال والحرام وحقوق الناس، وهي أول أتصال سماوي بالأرض عن طريق الوحي المباشر، الذي بدأ به الانسان الحديث كما يعتقد العلماء، حيث هو اول من أمتلك لغة التجريد بأبسط صورها مخاطبا الرسول (ص)  كما في قوله تعالى: (انا أوحينا أليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده،النساء 163).

ويقول الحق: (قالوا ان أنتم الا بشر مثلُلنا،ابراهيم 10). هنا نلاحظ كيف ذكر مصطلح البشر ليقصد به الجنس البيولوجي العضوي اي ليس مَلكاً وليس من الجن. كما نلاحظ أنه جاءت لنوح أول صيغة لغوية تعبدية من الله للناس بقوانين محكمة لا تقبل الأختراق وذلك في قوله تعالى: ( وقوم نوحٍ لما كذبوا الرسل أغرقناهم،الفرقان 37).

نستنج من قصة نوح عدة مضامين ربانية محكمة هي:

آ – الأنذار، والأنذار هنا ليس بصفة الفرض المطلق وأنما بصفة التوعية المعرفية، رغم أنها تدل على التخويف والوعيد بالعذاب والأنتقام للمخالفين يقول الحق: (أنا ارسلنا نوحا الى قومه أن أنذر قومك من قبل ان يأتيهم عذاب أليم، نوح 1). ويرد الحق حين قال: ( يا قوم اني لكم نذير مبين،نوح 2).

هنا ينفذ الحق قوله تعالى بأن أغرقهم في اليَم حين لم ينصاعوا للحق فكذبوا الآيات ونوح معا في قوله عن لسانهم: ( قالوا لئن لم تنتهِ يانوح لتكونن من المرجومين) وهو تأكيد آلهي على من يخترق الاوامر الآلهية في التصرف الخاطىء كما نراه اليوم في حكوماتنا الاسلامية التي لم تبالِ بالنص في أنتهاك حقوق المواطنين، فذاك أمر يأتيها من حيث لا تحتسب ويجعلها هباءً منثورا وهي عاقبة المكذبين.

ب الرسالة:

أعتبر القرآن الكريم ان نوحا هو بداية الانبياء والرسل، وقومه هم بداية الأنسان الحديث، وكان لهم لغة مجردة بحيث سمحت لنوع من التجريد، وليس لها من المعتقد سوى مظاهر الطبيعة كالشمس والقمر، يقول الحق: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا،  نوح 15،16).

لقد أقتصرت رسالة نوح على التوحيد والأستغفار فقط دون ان يكون هناك أي وصايا اخلاقية أو شعائر تعبدية، ففي رسالة نوح لا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا أي شكل من أشكال العبادات التي نعرفها اليوم، كما في قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا الى قومه اني لكم نذير مبين،هود25). ولم يكن العذاب الموعود اخرويا بل دنيويا كما في قوله تعالى: ( فسوف تعلمون من يأتيهِ عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم، هود 39).

ورغم الدعوات والنصح والارشاد لكن قومه أصروا على الكفر وتحدي الأرادة الآلهية في الأصلاح  كما في قوله تعالى:(...وقالوا أنا كفرنا بما أرسلتم به وأنا لفي شكٍ مما تدعوننا اليه مريب، أبراهيم 9).

فنفذ  فيهم ارادته العادلة واراهم العذاب الكبير.

ج – النبوة:

وهي دعوة الى النبوة  وهي قفزة نوعية على سلم التطور التاريخي من الناحية العلمية للأنسان في ذلك الوقت كما في قول الحق: (وأعلم من الله مالا تعلمون،الأعراف 62) فكانت نبوته تشمل:

1-التوحيد: وان الله هو الحق وما يدعون من دونه الباطل.

2- وتعليم البشرية ركوب الماء وأجتياز العوائق، لذا فقد كانت صناعة الفُلك وحياً من الله كما في قول الحق: (فأوحينا اليه ان أصنع الفلك بأعيننا ووحينا.....،المؤمنون27). فصنعوها من ربط الخشب بالألياف الطبيعية من الأشجار كما في قول الحق: (وحملناه على ذاتِ ألواحٍ ودوسر،القمر 13). وكلمة الدوسر هي حبال الالياف الطبيعية. اما الفلك فهو المُعدية المائية التي أنقذ فيها نوح من الغرق بأمر الله.

3- والنقطة الاخرى ذات الاهمية هو ان طوفان نوح كان محليا اي عاصفة مطرية بمطر ثقيل لم تتحمله دورهم نازلة من سطح الجبل فأغرقتهم كما في قوله (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا فألتقى الماء على أمرٍ قَد قُدر، سورة القمر 11،12). فنجيناه ومن معه في الفلك وأهلكنا من كفر. كما في قوله تعالى: ( وقيل يا أرض أبلعي ماءك  ويا سماء أقلعي وغيضَ الماء وقضى الأمر على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين،هود44). وكما في قوله تعالى: ( ثم أغرقنا بعد الباقين)، ولم تنفع شفاعة نوح لأبنه لأنه كان من الظالمين كما في قول الحق: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون،هود 37). ولاحظ الاشارة ايها القارىء الكريم ان القرآن ركز على الظالمين وليس على الكافرين، لأن الظلم لا يقبل ابدا من الانسان وجزاؤه حدي. بينما الكفر شأن بشري لا علاقة له بالعذاب، (لكم دينكم ولي دين).

وحين تمت العملية  كانت دعوة نوح التي وردت في الآيتين: (وقال نوح ربِ لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا،نوح 26).  وهنا استعارة واضحة ان الكافرين هم الظالمون.

 

وفي قصة هود: التي جاءت في سبعة عشر آية مقدسة نستنتج منها:

مظاهر التوحيد ورفض تعدد الآلهة والتشتت بعد تعدد الآلهة عندهم. يقول الحق: (قال قد وقع عليكم من ربكم رجسُ وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فأنتظروا أني معكم من المنتظرين،الأعراف 71). ان المفارقة في قصة (هود) ان الآلهة المصطنعة كانت للخير وللشرمعاً لذا قال الحق: (بعض آلهتنا) فكانت رسالته التوحيد خوفا من تشتت المجتمع وحصول العداوة والبغضاء بينهم، وهذا الامر الرباني يناقض المذهبية المصطنعة في التشتيت اليوم. فهل يدرك الساسة من حكام الدول الاسلامية اليوم جريمة التفريق؟ ان الذين في رأسهم السلطة لا يعرفون الا التسلط وحكم الأخرين لأنهم ضعاف في أنفسهم يائسين،

هكذا كانوا عبدة الآلهة المتعددة مشتتين؟  لكن نوحا والانبياء والرسل من بعده كانوا موحدين  يرفضون تشتت المجتمع والدين، فمن أين جاوا لنا الفقهاء بمذاهب الفرقة والتشتيت؟ ألم يكن هذا خروجا على ارادة النص المقدس؟.

وقصة هود جاءتنا بتحقيق الأستقرار والبناء، وبأنتشار الوعي في الأرض، وأستخدام الأنعام في التنقل، يقول الحق: (وتحمل أثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الأنفس، النحل 7). وبهلاك من يخرج على الأرادة الآلهية كما في قول الحق: (ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد، أرمَ ذات العماد، التي لم يُخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخرة بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، ان ربك لبا لمرصاد، الفجر 6-14). وفي ثمود التي خرجت على قوانين السماء، يقول الحق: (وثموداً فما أبقى،النجم 51 )، هناك ققصا اخرى كثيرة جاءت ليتعلم منها الأنسان مبادىء الحق والأنسانية، ألم تأتِ تلك القصص في الأسلام، فأين المسلمين منها اليوم، بعد ان عبثوا بالاوطان والشعوب دون رادع من ضمير او دين؟ ولازالوا يصومون ويصلون ويحجون ويدعون ان هذا هو الدين، فبعداً للمنافقين.

هذه الدراسات القرآنية تدعونا الى تأويل القرآن الكريم تأويلا علميا لا فقهيا ومن جديد، لأخراجه من دائرة التفسيرات القرآنية للفقهاء التي جاءت مشوشة في معلوماتها العلمية والدينية، مما اضطر بعضهم ليقول: (ان بعض الآيات القرآنية لاتفسر وان الحروف التي جاءت في بداية الصور جاءت زائدة  لعجزهم عن التأويل ومعرفة الحدوث).

 

فهل نبقى نتعايش مع التفكك الفكري والتعصب المذهبي المرفوض واللجوء الى مواقف فكرية باهتة ليس لها من اصل في التشريع. والمذاهب حركات اجتهادية أنتهى زمانها بأنتهاء عمر المجتهدين بعد ان حلت العلوم الحديثة والتكنولوجيا التي تتناقض وافكار القدماء من المجتهدين. ألم يكن هذا البقاء للقديم على قدمه رغم خطئه هو خدمة للسلاطين المنتفعين؟

نعم نحن نعيش اليوم أزمة فكرية قاتلة فرضتها علينا سياط الظالمين وافكار رجال الدين الذين أوقعوا الوطن في محنة التشرذم والتخلف والمذهبية الباطلة التي لا تستند الى اي تشريع، فهل لنا من مخرج الا الوقوف بوجه الجهلة المنتفعين؟.

نحن بحاجة الى قراءة معاصرة ونظرة جديدة للاسلام، تنطلق من خصائص اللسان العربي، وقوفا على الأرضية الفلسفية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين, ونبتعدعن التفكك الفكري المذهبي المرفوض واللجوء الى مواقف فكرية وسياسية تراثية مضى عليها الزمن وقتلت كل منهج معرفي  يتوائم مع نظريات التطور للفكر المعاصر الحديث وجعلونا نعيش في سجن حديدي لا تنكسر قيوده الا بثورة عارمة على مؤسسات الدين المحتكرة لسلطة فكر المواطنين حتى لو كلفتنا التضحيات،

بهذه التوجهات نستطيع ان نصل الى دولة المواطن والقانون، كما وصلت دول التحضر العالمية اليوم.

وسنبقى نطالب ان تكون حياة المواطن العادي مثل حياة قيادته المرفهة، واولاد المواطن العادي مثل اولادهم المؤمنة، وحقوق المواطن مثل حقوقهم الموثقة بالقانون الخاص، وأمن المواطن مثل أمنهم وأمن اولادهم، لا ان يقتل المواطن العادي ليسجل دمه ضد مجهول، من يراهم في ملبسهم ومسكنهم ورياشهم  وحراسهم يظن انهم العراقيون، فهل صحيح ان العراقيين مثلهم اليوم بعد التغيير؟ أم من قصص القرآن الكريم سيكون التغيير؟