Back Home Next

 

   كَرْبَلاء..وَلاءٌ وَوَفاءٌ

 

آراء الكاتب

نزار حيدر
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

 

فلقد شهدت هذه الارض الطّاهرة في يوم عاشوراء عام ٦١ للهجرة أعظم وأخطر وأقدس حدث هو مائز بين جبهتين متوازيتين لن تلتقيا أبداً مع امتداد الزّمن، الا وهما جبهة الحق وجبهة الباطل، جبهة الحريّة وجبهة العبوديّة، جبهة الإرادة الصّلبة وجبهة الانهزامية والخضوع، جبهة الوعي وجبهة الجهل، جبهة البصيرة وجبهة العمى، جبهة النّصر الحقيقي وجبهة النّصر المزيَّف.

كما شهدت كربلاء في ذلك اليوم المهول نهاية مسيرة وبداية أُخرى، جسدها قول الامام الشهيد السّبط الحسين بن علي عليهما السلام {مثلي لا يُبايع مثلهُ} في إشارة الى الطّاغية يزيد الذي انتهك أبوه معاوية عدّة قيم ومبادىء عظيمة وثابتة شرّعها الله تعالى، وعلى رأسها الحرّية والشّورى وحرّيّة الاختيار، عندما أخذ البيعة له، رغماً وبالقهر، كخليفةٍ للمسلمين، ما كان ينبغي لأحدٍ ان ينتهكها أو يسكت عن انتهاكِها مهما كانت الظّروف، ولذلك نهض الحسين السّبط عليه السلام، واصفاً الحال بقوله {إنّا لله وإنا إليه راجعون وعلى الإسلامِ السّلام إذا بُليتِ الأمّة براعٍ مثلِ يزيد}.

وعندما تستعدّ البشريّة لاحياء ذكرى عاشوراء مع بزوغ هلال المحرم الحرام من كلّ عامٍ هجريّ، فإنّما تجسّد قيمتين عظيمتين من قيم السماء؛

الاولى؛ هي قيمة الولاء الذي هو فوق الحبّ، الولاء لله ولرسوله ولأهل بيته الكرام الذين قال عنهم تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.

الثانية؛ هي قيمة الوفاء التي لولا عمق معانيها الانسانيّة لما تواصل الناس ولما افتخر أحدٌ بأحدٍ او احترم أحدٌ إنجازات وتضحيات آخر أبداً.

أنّ كربلاء قيمٌ ومعاني ورؤيةٌ عميقةٌ وبصيرةٌ واعيةٌ، وإنّ إحياءها هو احياءٌ لكلّ هذا، فضلاً عن كونها تجسيدٌ لقيمتي الولاء والوفاء.

الا ترى شعوب العالم تحيي ذكريات رموزها الذين قدّموا لهم شيئاً ما وعلى مختلف الاصعدة؟ فكيف لا نحيي كربلاء التي وهبتنا كلّ شيء؟!.

...ويريدوننا ان ننسى كربلاء؟ وننسى الحسين (ع)؟ وننسى عاشوراء؟ لماذا؟ لانّها تثير الطائفيّة، على حدّ زعمهِم، وأنّها تثير الضّغائن وتفرّق الأمّة وتُثير الخلافات التاريخيّة التي أكل عليها الدّهر وشرِب!.

حسناً! أُنسوا، إذن، القرآن أولاً لننسى عاشوراء! أُنسوا الدّين لننسى كربلاء! أُنسوا رسول الله (ص) لننسى سبطهُ الحسين الشهيد (ع)! أُنسوا رموزكم التي علّمتكم القتل والذّبح وسبي النساء والتّكفير والغاء الاخر والعنف والارهاب وحرق الاجساد والتمثيل بجثث الضحايا!.

أوَليست قصّة كربلاء امتدادٌ للقرآن الذي قَصّ علينا {أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}؟ أوَليست عاشوراء امتدادٌ للدّين الذي بلّغهُ رسول الله (ص) ووصيّتهُ {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}؟ أوليس الحسين (ع) هو رسول الله (ص) الذي قال {حسينٌ منّي وأنا من حسينٍ} و {أحبَّ الله مَنْ أحبَّ حسيناً} و {الحسن والحسين سيّدا شبابِ أهل الجنّة}؟.

إنّ افعالهم وممارساتهم تدلُّ على أنّهم غير مكترثين لا بالامّة ولا بدينِها ولا بوحدتها ولا بإِتّحادها ولا بحاضرها ولا بمستقبلها ولا بسمعتها ولا هم يحزنون، وإلا فالّذي يهمُّه كلّ هذا في الأمة هل يُمارس الاٍرهاب وحزّ الرّقاب وحرق الجثث والتمثيل بها بسمِ الدّين وبسمِ الرسول الكريم (ص) وبسمِ القرآن، وكل ذلك منهم برآء؟!.

انّ الحريص على وحدة الأمة لا يُشعِل الحروب الطّائفية ويُغذّي الاٍرهاب بأموال البترودولار وفتاوى التّكفير في كلّ بقعةٍ من بقاع العالمين العربي والإسلامي! ليروح ضحيّتها الآلاف المؤلّفة من الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ والشباب! فضلاً عن تدمير البلاد وحضارتها وتاريخها وتراثها وخيراتها، فهذه اليمن والعراق والبحرين وسوريا ولبنان، وتلك مصر وليبيا وجلّ بلاد الافارقة، كلّها تشهد على ظلمِ كلّ من يحارب الحسين (ع) بذريعةِ الخوف على الأمّة والحرص على وحدتها!.

وإنّ الحريص على سمعة دينهِ والوفاء لرسولهِ لا يسبي النّساء غير المسلمات ويعتدي على غير المسلمين بذريعة الاختلاف في الدّين وقد قال رسول الله (ص) {مَنْ آذى ذُمّيّاً فقد آذاني} وقوله (ص) {مَنْ آذى ذُمّيّاً فأنا خصيمهُ يَوْمَ القيامة}؟.

انّ الحريص على سمعة دينهِ وامّتهِ لا يتهرّب من الاعتراف بالخطأ والمبادرة فوراً الى تحمّل المسؤولية إزاء فاجعة مهولة ألمّت بحجّاج البيت العتيق وفي ضيافة الرَّحْمَن!.

وإنّ الحريص على عقلهِ ومنطقهِ وتاريخهِ (المجيد) ودينهِ وقيَمهِ لا يبرِّر قتل النّظام السياسي الأموي لسِبْط الرّسول الكريم (ص). 

بقدرِ ما تَزيدُ ذكرى عاشوراء في نفوسِنا وعقولِنا ومشاعرِنا معاني الثّقة بالنّفس عندما نتذكّر انّنا نمتلك رمزاً عظيماً كالحسين (ع) الذي ضحّى بكلّ شَيْءٍ من أجل دينهِ وعقيدتهِ وأُمّته وحرّيتهِ وكرامتهِ وارادتهِ واختيارهِ، بنفس القدر تُزيد الذّكرى عندهم معاني الخسّة والنّذالة والسّقوط الاخلاقي عندما يتذكرون انّ لهم رمزاً كيزيدٍ باع كلّ شَيْءٍ من أجل نزواتهِ الدنيئة وأهوائه وشهواته الحقيرة.

نتذكّر مع الذّكرى أنّ رمزنا أمّهُ فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين وجدتهُ خديجة الكبرى اوّل وأعظم أمّهات المؤمنين،

ويتذكّرون مع الذكرى انّ رمزهم جدّتهُ هند آكلة الأكباد والأخرى حمّالة الحطب والأخرى صاحبة الرّاية في الجاهلية، حمامة.

نتذكّر مع الذّكرى انّ رمزنا أبوه علي بن ابي طالب أمير المؤمنين (ع) وجدّه محمد بن عبد الله رسول الله (ص)

ويتذكّرون مع الذّكرى انّ رمزهم أبوه الطّليق ابْنُ الطّليق الذي حُرِّمت عليه الخلافة مُعاوية وجدّهُ أبو سفيان زعيم الشّرك والقائد الأعلى لكلّ حروب قريش والأحزاب ضدّ رسول الله (ص).

وصدقَ أمير المؤمنين (ع) عندما كتب الى معاوية جواباً يُذكّرهُ فيه بكلّ هذه الحقائق، قائلاً:

وَإِنَّكَ لَذَهّابٌ فِي التِّيهِ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ.

أَلاَ تَرَى ـ غَيْرَ مُخْبِر لَكَ، لكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ ـ أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ مِنَ الْمُهاجِرينَ، ولِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ!

أَوَلاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْديِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ وَلِكُلّ فَضْلٌ ـ حَتَّى إذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا كمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ: الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُوالْجَنَاحَيْنِ! وَلَوْ لاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ تَمُجُّهَاآذَانُ السَّامِعِينَ.

فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِه الرَّمِيَّةُ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا.

لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَلاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بَأَنفُسِنَا، فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنا، فِعْلَ الاَْكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ! وَأَنَّى يَكُونُ ذلِكَ كَذَلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الاَْحْلاَفِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ، فِي كَثِير مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ!.

إِنّهم يخافون الفضيحة في الذكرى، ولذلك يريدونَنا انْ ننسى عاشوراء ولنتذكّر أيّ شَيْءٍ آخر، فكربلاء تفضحهُم، وعاشوراء تعرّيهم، والحسين (ع) أسقط عنهم ورقة التّوت التي يتستّرون بها ويسترونَ بها عوراتهم.

سيجيّشون أقلام السُّوء وكلّ الضمائر الميّتة لطمس الّذّكرى التي شاء الله تعالى لها الخلود، وصدقت عقيلة الهاشميّين بطلة كربلاء ولسان الحقّ الناطق زينب بنت علي بن ابي طالب (ع) أُخت الحسين (ع) التي تحدَّت الطاغية يزيد في مجلسهِ بقولها في تلك الخطبة النّارية {فكدْ كيدك واسعَ سعيكْ وناصبْ جَهدك، فوالله لا تمحو ذكرَنا ولا تُميتُ وحيَنا} وهي الحقيقة التي يلمسها العالم كلّ يومٍ منذ كربلاء والى الان والى يوم يُبعثون، فلا يمرُّ يومٌ على الّذّكرى الا وتزدادُ إشعاعاً ونوراً وانتشاراً وتأثيراً.

إِنَّهُ الولاءُ والوفاء للذّكرى العظيمةِ ولصاحبِها الشّهيد بنُ الشّهيد.

٥ تشرين الاول ٢٠١٥

 

 

Back Home Next