Back Home Next

 

دستور الجماعة الاسلامية الاول في المدينة المنورة على عهد الرسول (ص).
آراء الكاتب

د. عبد الجبار العبيدي

Jabbar44@verizon.net

 

كلمة النظم تطلق على كل شيء يراعى فيه الترتيب والانسجام والارتباط. ونظم اية دولة تتكون من مجموعة القوانين والمبادىء والتقاليد التي تقوم عليها الحياة في تلك الدولة.

لذا فالنظم تعتبر مظهرأ لشخصية الامة من حيث تقدمها ومدى تأثيرها في مجرى التاريخ الانساني والحضاري للشعوب الاخرى. وهي تكشف عن الطبيعة العملية التي تنتجها وتطورها من اجل الكمال الفكري والحضاري في العالم، ومنها النظام السياسي والقضائي والامني التي بها تسود الدولة وتتحقق العدالة الاجتماعية.

 

ومن يقرأ النظم التي أنشأت منذ بداية عصر الجماعة الاسلامية في المدينة على يد الرسول الكريم يدرك تماما ان بعدا سياسيا وفكريا قد طرح على الساحة العربية الاسلامية لتنظيم امور الدولة وبنائها على مبدأ الحق والعدل وحقوق الناس.

 

ومن خلال التنظيات الادارية التي جرت في عهد الرسول نستطيع ان نعرف كيف جرت الحياة عند الجماعة الاسلامية الاولى وكيف استطاعت ان تنجح وتحقق كل ما رأيناه وسمعناه عنها في مراحلها الاولى. لقد كانت البداية مع دستور المدينة  هذا الدستور الذي وضعت فيه كل حقوق الناس وواجباتهم وكتبت بقرار متزن واضح لا لبس فيه ولا يحتاج الى تأويل للغته العربية السليمة واهدافه الحرة النبيلة وكيف استطاع الرسول (ص) ان يفصل بين سلطات الدولة وحقوق الناس فيه.

 

go to top of page   دستور الجماعة الاسلامية (الوثيقة).

بعد بناء المسجد واعتباره مقرا سياسياً لادارة الجماعة الجديدة، ومقراً دينيا لاداء الواجبات الشرعية بدأ الرسول (ص) يدير الامور بشكل مبسط،  لم تكن قائمة على اوامر يصدرها بل على القدوة الصالحة التي كان يتمسك بها، وكان من عوامل نجاحه التصرف بهدوء الحق والعدل والاستشارة الصالحة باشراك الجميع في مهمة بناء الجماعة الجديدة.

وكانت الخطوة الثانية بعد المسجد هي ترسيخ مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والانصار وهو من احسن المبادىء التي سنت لتثبيت الوحدة الداخلية للامة حين اعتبرها مبدأً شرعيا لا يجوز الخروج عليه. مما ولد جماعة موحدة في العقيدة والهدف والمثل العليا التي بها تستقيم الحياة والذي سماه القرآن (بالصراط المستقيم)، وبها ثبت مبدا الاخوة التام التي اصبحت عوامل قوة دائمة تعين الجماعة على الثبات والسير الى الامام في الفرَج والشدة.

go to top of page   من خلال هذا الواقع الجديد وشعوراً بالمسئولية الشرعية والوطنية ظهر الدستور (الوثيقة) الذي نظم العلاقات وأقر الحقوق والواجبات والحدود والقواعد بين الناس حتى لا تخترق.

ولقد ذكر الاستاذ احمد حميد الله هذه الوثيقة في كتابه المعروف الوثائق النبوية والمودعة نسخة منها في مكتبة جامعة لندن البريطانية وقد حوت على 72 مادة نقتطف منها ما يلي:

 

  1. ان المؤمنين والمسلمين الذين اشتركوا في تكوين أمة الاسلام يكونون وحدة اعتقادية وسياسية واجتماعية واقتصادية واحدة مستقلة بذاتها من دون الناس. وبهذه المادة تقررت المواطنة المتساوية وثبت حق اليهود على دينهم وامواله (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) وبذلك تم التوقيع على حرية الاديان وحماية الاقليات.فلا يقتل مؤمن مؤمنا ًفي كافر.

  2. افراد الجماعة الاسلامية متكافلون فيما بينهم، يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

  3. جميع افراد الجماعة الاسلامية متساوون في الحقوق والواجبات يبيء بعضهم على بعض اي متكافئون في الحقوق وحتى في الدماء..

  4. الامة في مجموعها مسئولة عن الامن الداخلي والدفاع عن حدود الدولة واختراقها في حالة الاعتداء الخارجي. وقد ثبت القرآن في سورة التوبة آية 43، 120 حقوق الوطن على المواطن أذ لا يجوز التخلي عنها امام العدو الخارجي.

  5. التأكيد على مبدا الاخلاق السامية في التعامل بين افراد الجماعة ومع الاخرين

  6. تحديداً للمسئولية القانونية، تقرر ان لا يؤخذ انسان بخطأ يرتكبه اخر بدلالة الاية "ولا تزر وازرة وزر اخرى".

  7. حرمت الوثيقة الاقتتال بين اهل المدينة حفاظاً على الوحدة الداخلية للجماعة الاسلامية.

  8. الرسول هو المرجع الاعلى والاول في حل الخلافات بين افراد الجماعة الاسلامية.

  9. يثبت الدستور أنه لا يحل لمؤمن آمن بالله واليوم الاخر ان يتصر محدثاً ولا يؤويه، ولا بد ان تكون الجماعة يدا واحدة عليه، تجنباَ لاي انحياز عصبي او عنصري، كما لا يجوز ايواء المجرم داخل الجماعة الاسلامية ولاي سبب كان حتى يؤخذ منه الحق.

  

ومواد اخرى كثيرة لا يسعنا المقال لذكرها اليوم. من يقرأ الوثيقة بتمعن يدرك الاهمية الكبيرة التي تركتها الوثيقة في سبيل تثبيت اركان الدولة وتحقيق انسانية الانسان، ساعتها امر الاسلام باقامة الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وإقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الاسلام بين اظهرهم.

 

go to top of page   ان اهمية الوثيقة تتلخص في:

  1. تعتبر الوثيقة اول تشريع دستوري يتظمن المبادىء السياسية السامية في حكم الناس والتي لم يعرفها العرب من قبل.

  2. حرص الرسول (ص) على تثبيت وتدوين الحقوق والواجبات والقواعد والحدود العامة بين الناس تأكيداً لجعلها قاعدة قانونية يمكن الرجوع اليها عند الحاجة لضمان حقوق الناس وولاء الرعية.

  3. أظهرت الوثيقة ان الجماعة الاسلامية الاولى كانت منظمة على اساس قانوني لا يمكن التخلي عنه مستقبلا.

  4. برهنت الوثيقة على العبقرية السياسية والتنظيمية لقائد الجماعة الاسلامية الجديدة.

  5. منحت الوثيقة الحرية التامة للناس بحدود قانون الاسلام الخلقي.

  6. حددت الوثيقة مسئولية الدفاع الجماعي عن الوطن يالمشاركة الجماعية ولا يسمح لاي فرد او جماعة اخرى من الاخلال بالحق الوطني للوطن والمواطن استنادا الى ما ورد في آية التوبة رقم 43 التي امرت الرسول بعدم السماح لمن معه عن التقاعس في نصرة المسلمين بعد موقعة مؤتة ضد العدوالرومي الذي اراد احتلال ارض الاسلام.

  7. مثلت الوثيقة القانون الحقيقي للجماعة الاسلامية الجديدة، وان صدورها نتج عن تنظيم قانوني لا يخترق يشمل الجميع بما فيه صاحب الدعوة.

 

go to top of page   ان الدارس لهذه الوثيقة يدرك ان هناك ضوابطاً أدت الى صدورها:

  1. حددت الوثيقة تحديداً قاطعاً، عدم الانفراد بالرأي من قبل الحاكم، لأن الحكم في الاسلام تراضٍٍ بين الحاكم والمحكوم، لذا على الحاكم ان يصغي الى وجهات النظر المختلفة وان يكون رايه في نهاية الامر معبرا عن وجهة النظر الصحيح ومن خلال عملية استفتاء لكافة اراء الناس، ومسئولية الحاكم جماعية، وأتخاذ القرار امر لا يتعلق بالحاكم كفرد الا بقدر ما يكون ذلك معبراعن الصالح العام.

  2. الدستور هو الذي يمكن ان يضبط به سلوك الحاكم، فهو الذي يحدد سلوك الدولة ومسئولية الحاكم، لذا روعي ان تكون مواد الدستورمعبرة عن ارادة صادقة في رفع شأن المجتمع وتجاوز كافة انواع الضعف الذي كان يعاني منها مجتمع المدينة قبل الدعوة.

  3. بهذه الوثيقة حددت حقوق وواجبات الحاكم مثلما حددت حقوق وواجبات عامة الناس، ومن هنا بدأ المجتمع يشعر بالوحدة الداخلية وبالاستقرار الامني  والتحررمن الخوف، والانطلاق نحو تكوين دولة جديدة، مغايرة تماماً لوضع القبيلة في المجتمع المكي.

 

على هذا الاساس اصبحت الجماعة الاسلامية في المدينة تتمتع بشخصية قانونية ملزمة خلافا للعادات والتقاليد القبلية، المستمدة من القانون القبلي الجاهلي، لا يجوز للحاكم والمحكوم الخروج عنها.

go to top of page   ان الذي يهمنا في هذه الوثيقة انها غيرت المفاهيم الخاطئة المتوارثة في اكثر من ميدان من ميادين قيادة الدولة والمجتمع. لان كل الذين كتبوها بأمرة الرسول (ص) كانوا من المتفائلين بمستقبل الجماعة الاسلامية الجديدة الذين نفضوا ايديهم من الماضي واشتركوا معا في صنع رؤية جديدة لمستقبل الانسان قائمة على العقل والعلم والحرية والقانون واحترام انسانية الانسان، لذا وقفت الجماعة المعادية للدعوة الجديدة موقف العداء منها منذ البداية، وحاولوا طمسها والرقابة الشديدة على من يتداولها بعد العهد النبوي الشريف، ورغم ان سلطة الخلافة الراشدة قد تمسكت بها نسبيا لكنها لم تكن جادة في نشرها وتطبيقها، لضغوط قبلية وظروف سياسية صعبة مرت عليها آنذاك، ثم عتم عليها وغيبت تماما في العصرين الاموي والعباسي لانهم ادركوا اهميتها في فكر الناس وحقوقهم، وخوفا من انها ستحرك عجلة التاريخ في الطريق السليم وتنزع منهم شرعية السلطة التي بها يدعون.

go to top of page   ففيها فصلت الدولة عن حقوق الناس، ولم يعد ممكناً ان يغضب الحاكم على رجل ليقتله اويرميه في السجن كما كان في العهد القديم دون محاكمة او مسائلة صورية،  فكسب الناس حرية الحركة والعمل والقول، حينما اعلن الرسول (ص) بعد فتح مكة في السنة التاسعة للهجرة مبادىء الدولة في حكم الناس القائمة على الامان والاطمئنان والكفاية والعدل لكل الناس دون تمييز، حين ردد بصوته الشريف "هذه امتكم امة واحدة، ولا فرق بين ابيض واسود وعربي واعجمي الا بالتقوى" (انظر الخطبة بعد فتح مكة عند الواقدي)) وهذه ميزات  ادركها العام والخاص  واصبحت  قانوناً في الحكم المقيد بسلطان الشعب، وبذلك خلق وعيا تاريخيا مستوعبا ومتناميا ومتسعا ومتجاوزا كل ظلم الماضي،

go to top of page   فكلمة لا الله الا الله التي جاء بها القرآن وارادها محمد قولا وتطبيقًا انعكست فيها روحيا واخلاقيا ونفسياواجتماعيا صورة قيمتين اساسيتين هما: الحرية والمساواة.  لهذا كان الدستور عقبة كبرى امام المنتزين على السلطة وحقوق الناس. نعم خلف لنا دستور المدينة التي غيبته السياسة الاموية والعباسية ما يمكن ان يكون مرجعا اساسيا في حكم الدولة الان ولا حاجة لدساتير اجتزت من دساتير الاخرين التي تتناقض ودستور المدينة الذي بني على المبادىء  حقاً وعدلاً وصدقاً. فهل نحن مدركون؟

 

-أنظر ـ  محمد حميد الله – مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار الارشاد بيروت 1969.

- الواقدي  -كتاب المغازي _مطبعة اكسفورد 1966.

- مجموعة الخطب النبوية .

 

Back Home NextBack to Homego to top of page