Back Home Next

فلسفة العيد

موجز بحث يمثل رؤية في القيم الإلهية للعيد

بقلم: الاستاذ الدكتور وليد سعيد البياتي

dr-albayati50@hotmail.co.uk

توطئة:

يقول الحق سبحانه:

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ  ( . (1)

يفهم من معنى العيد، أنه حدث يعود ويتكرر، فالعيد من العودة، أي تكرار الفعل في أوقات وأزمنة ثابتة. يقول الطباطبائي: " العيد من العود، ولا يكون عيداً إلا إذا عاد حيناً بعد حين، وفي الخلف بعد السلف من غير تحديد ". (2)

فالعيد هو آية بمعنى الدلالة والبرهان على حدوث الفعل، والتكرار بمعنى إستمرار نزول البركة (وأنت خير الرازقين)، لأنه قال: (لأولنا وآخرنا)، فهي بركة مستمرة على مسار حركة التاريخ، وأما إستمرارها وعودتها في كل عام فيأتي بمعنى إستعادة ملامح وبركات تلك الواقعة أو الحدث بتذكرها والاحتفال بها في موسمها، وهذا لا يعني ان الواقعة نفسها تتكرر، ولكن الذي يتكرر هو ماتحمل ممن قيم ومبادي وأسس روحية ووجودية.

فدوام الاستذكار هو بذاته عبادة لا تخلو من الخضوع لله وطلب الرحمة منه. ولو لم يكن للتكرار قيم روحية ومعنوية ونفسية ووجودية وغيرها لكان الحدث يحدث مرة واحدة وينتهي، وبذلك تنقضي القيم والمعاني التي دعا اليها. ألا تجد كيف ان الله أرسل الانبياء والرسل لتذكير الخلق بقدرته وانه هو الواحد الاحد. فتواترت الرسالات والاخبار حتى مجيء الرسالة الخاتم لتتم بها النعمة على البشرية جمعاء. ففي التواتر والتكرار لطف الهي غايته هداية الانسان للحق.

ملازمة القضية والموضوع:

 ليس العيد حالة قائمة بذاتها مستقلة عن القضايا الاخرى، بل هو موضوع مرتبط بقضية متكررة، كرمضان أو الحج أو الغدير فلو لم يكن رمضان والحج والغدير ما كان العيد،  فثمة ملازمة تتبع منظومة العلاقات بين رمضان والحج والغدير كقضية متكررة والعيد كموضوع مرتبط بها، فتكرار العيد يكون في حالتين، إما بسبب تكرار القضية نفسها في كل مرة مثل رمضان والحج، فيتكرر العيد بتكررهما، فإذا حضر رمضان أو الحج حضر العيد، أو أن يكون بتكرار فكرة القضية كما في قضية الغدير والمائدة التي إنزلت على روح الله عيسى (عليه السلام)، ففي السنوات التالية لم يحدث الغدير كما حدث أولاً كما لم تنزل المائدة التي انزلت على عيسى (عليه السلام) ولكن بقيت فكرتها، فتكرر العيد لإحياء ذكراها. من المهم أن نلاحظ هنا أن ثمة علاقة تكوينية ووجودية بين رمضان والعيد تعبر عن ملازمة متكررة تقول: لا عيد بدون رمضان، ولا رمضان إن لم يكن هناك العيد.

القيم الإلهية والعيد:

يحق لنا هنا أن نطرح تساؤلا يقول: هل خروجنا من رمضان إلى العيد يعني نهاية مرحلة التعبد وحضور إنتفاء العلاقة بين الانسان والخالق بعد أن كان رمضان يمثل الحالة التعبدية الارقى التي كرستها ليلة القدر؟

تكمن قيمة العيد في أنه تكريس لمنتهى الحالة التعبدية التي عاشها الانسان في رمضان لتتجلى في العيد في قيم الشكر على كل النعم التي أنعم الله بها على الانسان في رمضان وهي نعم لا تحصى، فليس الغاية من الفرح في العيد هي تجاوز المرحلة العبادية، بل الغاية هو الشكر لان الشكر ذاته عبادة. ألا ترون قوله تعالى:

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (  . (3)

فالغاية من العيد هو ذكر الله بالتكبير (كما في صلاة العيد) وتحقيق الشكر له بمعنى إستمرار التعبد للحق تعالى وهو ما يؤكد إستمرار العلاقة التعبدية، فكلما عاد العيد إستذكر الانسان إنه خلال هذه السنة (من العيد السابق وحتى هذا العيد) ما زال يحيى في رحمة الله التي وسعت كل شيء، وهو ينهل من فضل هذه النعم التي اسبغها الله عليه:

﴿ إلم تروا أنَ الله سَخّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الارضِ وأسْبغَ عليكم نِعمه ظاهرةً وباطنةً ومن الناسِ من يجادلُ في اللهِ بغَيرِ علمٍ ولا هدىً ولا كتابٍ مُنير. (4)

فالعيد هو مناسبة لتجديد العلاقة التعبدية بين الانسان والخالق وتقديم الشكر لله، ولو علم المؤمنون ما لقيمة الشكر لله على ما أفاض على الناس من النعم لجعلوا العبادات كلها شكراً له، ولكن الامر كما يقول الخالق نفسه ﴿ وقَليلٌ من عِبادي الشَكُور. (5)

مبدأ التكامل الاجتماعي:

من هنا لا يمكن فصل العيد عن رمضان، ليس لأن شوال يأتي بعده في التسلسل الزمني للاشهر، بل لأن تجليات ليلة القدر بكل عظمتها وروحانيتها تتكرس في العيد من خلال قيم التكافل الاجتماعي، فنسمات الشكر العليا تتحقق في علاقة الافراد بالمجتمع، لتخبرنا إن رمضان يعيد ترتيب علاقات العمل الإجتماعي، فإذا كانت زكاة الفطر تحمل روح الصيام ومعاني تهجدات الرحمة في ساعات السَحَرْ، فإنها تمثل شكلا من أرقى أشكال قيم المثل العليا في بناء المجتمع. مما يعني أن رمضان أستطاع أن يرفع مستويات الوعي الفردي والجمعي ويخلص الانسان من تلازمية الأنا، ليكون للعيد مفهوم (نحن) وهو مفهوم جمعي يحقق التواصل الاكثر إمكاناً في الوجود.

ولعلنا هنا ندرك أن حضورنا في العيد إنما هو حضور في مستوى آخر من الوعي الرمضاني فالتكرار لا يمثل موقفاً عبثياً من الحياة لكنه يمثل حساً روحياً يخرج بالانسان من حالة الضحالة المادية إلى الرقي الانساني، ألم ترى إلى قوله:

﴿اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  . (6)

فكما كان رمضان شكلا من أشكال خروج المؤمنين من الظلمات إلى النور فإن العيد يكرس هذه العملية بإتجاه تحقيق كمال المسيرة إلى الله.

فالعيد إذا عملية تكامل عبادي يبين لنا ان العلاقة بين الانسان والله عزوجل لا تنقطع بنهاية رمضان وظهور هلال شوال، بل في في تواصل مستمر لما يمثله العيد من إتمام نعمة الصيام بالتكافل الاجتماعي وحضور الانسان في مدارك الرحمة الالهية.

....................................

1-     المائدة: 114.

2-     الميزان: 6/235.

3-     البقرة: 185.

4-     لقمان: 20.

5-     سبأ: 13.

6-     البقرة: 257

 

 Back Home Next