Back Home Next 

دولة الأدارسة

 بقلم د. رضا العطار

alattataronline.com

 

 

عندما قرأت مقال الكاتب، الشريف شاهر (لم يذكر مصدر بحثه !) حول نشوء دولة الادارسة، شعرت بان قلبي فاض فرحا وفخرا، لانها اول دولة علوية هاشمية، تقام على امتداد المغرب العربي في التاريخ الاسلامي المجيد، بعد ان مرت 172 سنة على العوائل العلوية، وهي تعاني من جور حكامهم الظلمة، وهم ابناء عمومتهم من قريش، قبيلة بني أمية، سواء كانوا في الحجاز آبان  صدر الاسلام او في دولة معاوية في الشام او في دولة بني العباس في العراق.

والمعروف ان هذه العوائل المنكودة تنتسب الى اسرة النبي الكريم محمد (ص) والتي انحدر من نسلها الإمام إدريس الأول، مؤسس هذه الدولة، فهو ابن عبد الله، بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط،  بن علي بن أبي طالب (ع). اما أمّه فهي عاتكة بنت الحارث المخزومي، القريشي النسب، ولدته عام 127 هجرية.   

وبعد ان تمكن العباسيون من القضاء على ثورة الحسين بن علي بن الحسن في معركة فخ التي تبعد عن المكة المكرمة بثلاثة اميال، والتي كان ادريس، احد قادتها، قد تمكن من الهرب مع خادمه راشد بزي حجاجا الى مصر. وقد اعقبت هذه الثورة ثورات اخرى اندلعت في كل من البصرة والحجاز واليمن وخراسان و لم تلق نجاحا.

لقد بقى امر ادريس وخادمه في مصر مجهولا، ولم يكن اختفاؤهما امرا سهلا فعيون العباسيين كانت تتعقبهم، وقد ساعدهما على الخروج من مصر عامل البريد الذي كان متشيعا محبا لآل البيت. وبعد أن وصل إدريس إلى برقة، متخفيا في زي قبائل الصحراء الافريقية الخشن، يظهر فيه بمظهر غلام يخدم (سيده) راشد، بعد ان سلكا طريقًا بعيدًا عن الطرق المحلية المألوفة، إمعانًا في التخفِّي، وخوفًا من أن يلتقي بهما الشرطة السرية للدولة العباسية التي اشتدت في طلبهما، حتى وصلا إلى تلمسان وأقاما بها عدة أيام طلبًا للراحة، ثم استأنفا سيرهما نحو الغرب، حتى وصلا الى "طنجة" التي كانت يومئذ أعظم مدن المغرب الأقصى على الاطلاق، ثم واصلا سيرهما في رحلتهما الشاقة التي استغرقت عامين الى ان استقرا في (وليلي)

وهنا اتصل ادريس بإسحاق بن محمد بن عبد الحميد زعيم قبيلة "أوربة" البربرية، صاحبة النفوذ والسيطرة، وبعد ان  اطمأنَّ إليه إدريس، عرَّفه بنسبه، وأعلمه بفراره من موطنه؛ وكيف انه نجا بنفسه من بطش العباسيين، وقد رحَّب إسحاق بضيفه الكبير، وأنزله معه داره، وتولَّى خدمته، حتى إذا حلَّ شهر رمضان،  جمع إسحاق إخوته وزعماء القبائل البربرية المحيطين بمدينته، وعرَّفهم بنسب إدريس وبفضله وقرابته من النبي الكريم وأعربوا عن تقديرهم له، وبايعوه بالخلافة، وبعد ذلك خلع "إسحاق بن عبد الحميد" طاعة بني العباس حيث كان من ولاتهم، وتنازل لإدريس عن الحكم. فبايعه الناس واعترفوا بسلطانه وقصدوه من كل مكان، بعد ان سمعوا بشرى قيام دولة الادارسة، وهي اول دولة علوية هاشمية في الاسلام، كان ذلك عام 172 هجرية المصادف 15 / 2 / 788 ميلادية .

وتزوج إدريس من البربرية كنيبزة المرضية، وهي بنت وزيره عبد المجيد مصعب بهدف تقوية الصلات الاجتماعية والعقائدية مع القبائل البربرية العديدة المنتشرة في متاهاة تلك المناطق. التي نشر فيها العقيدة الاسلامية السمحاء بعد ما كانوا يدينون بالمجوسية أو اليهودية أو المسيحية، كما وأعدَّ جيشًا كبيرًا زحف به نحو مدينة "شالة" قبالة مدينة الرباط، ففتحها، ثم تحول إلى كل بلاد "تامسنا" فأخضعها، وأتبع ذلك بإخضاع إقليم "تاولا"، وفتح حصونه وقلاعه، فدخل الكثيرٌ من أهل تلك البلاد دين الإسلام، ثم عاد إلى "وليلي" للراحة والاستجمام، ثم عاود حملته الظافرة ونجح على تغيير عقائد  قبائل: قندلاوة ومديونة وبهلولة البربرية التي كانت لا تزال  المتحصنة بالجبال والحصون المنيعة، الى الاسلام.

سميت دولة الأدارسة نسبة إلى مؤسسها ...

دولة الادارسة بالمغرب الاقصى

لقد عاود الخليفة ادريس الفتوح، واتجه شطر الشرق، بهدف توسيع رقعة مملكته في المغرب الاقصى على حساب الدولة العباسية، فاخضعت له كل من سبتة وتلسمان. ونظرا لاهمية تلسمان الاقتصادية، اقام ادريس لاهاليها مسجدًا جامعًا كبيرا، وصنع فيه منبرًا جميلاً زركشه بنقوش اسلامية  يحدِّد تاريخ إنشائه، بدأه بالعبارات التالية : بسم الله الرحمن الرحيم، بعد الاتكال على الله قام بأنشاء هذا الجامع إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، بتاريخ شهر صفر 174هـجرية - -  وبعد ذلك ترك ادريس مدينة تلسمان وكرّ راجعًا إلى عاصمة ملكه.

ولم تكد تصل اخبارهذه الفتوحات إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد حتى فزع الخليفة هارون الرشيد، وشعر بالقلق والذعر من النجاحات التي حققها  إدريس، بينما فشل فيها غيره من أبناء البيت العلوي؛ فقد حقق  نصرا عظيما في تأسيس دولة علوية واسعة في هذه الارض القصية اول مرة بعد إخفاقاتهم العديدة ومآسيهم الدامية.

لقد اشتد خوف الخليفة العباسي،  حين جاءته الأخبار بعزم إدريس على غزو مناطق اخرى من شمال افريقيا كتونس، مما دعاه ان يفكر في إرسال جيش لمحاربة هذا العلوي المظفر، لكن الاقدار تدخلت واراحت الرشيد من القلق والاضطراب، اذ توفي إدريس، كان ذلك عام 177 للهجرة. لكن بعض الروايات تقول ان هارون الرشيد ارسل شخصا اسمه سليمان شماخ اليمامي الذي احتال على إدريس وتمكن من دس السم له، فتوفي على اثره.

وعلى كل حال فقد نجح الامام ادريس في اذلال الصعوبات وتجاوز المحن واقامة دولة عُرفت باسمه "دولة الأدارسة" بعيدًا عن وطنه بين قبائل متطاحنة تعتز بعنصريتها، وتتخذ من قوتها وسيلة لفرض سيطرتها على من حولها، وهذه المآثر تُحسَب لأدريس وتجعله واحدًا من كبار رجال التاريخ. ويضاف إليه أن المغرب العربي مدين له بنشر الإسلام فيه، وهي أماكن لم يكن قد وصل إليها مسلم من قبل.

... الأكبر مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب

المولى ادريس الأكبر مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب

 

كانت امرأة إدريس الأول حاملاً عند مماته، فانجبت ذكرا، واتفق البربر جميعهم ان يولوه خليفه لهم، سموه ادريساً الثانى، وكلفوا خادم ابيه راشد برعايته، وبحكم العادة اصبح راشد وصيا على ادريس الثاني.

ويُفيض المؤرخ القرطاس في ذكر تربية إدريس وتكوينه ، فيصفه بأنه كان "عارفا بالفقه والسنة والحلال والحرام وفصول الأحكام ". ولا شك أن راشدا مولاه سهر على ذلك التكوين، لأن ترشيحه لمنصب الإمامة كان يقتضي معرفة شاملة بالعلوم الدينية واللغة العربية حتى يكون منافسا عن جدارة واستحقاق للخلفاء العباسيين المعاصرين، وأقرأه القرآن وحفظه وله من السنين ثمانية أعوام، وعلمه السنة والفقه والنحو والحديث والشعر وأمثال العرب وحكمها وسير الملوك وسياستها وعرفه بتقاليد الناس ودربه على ركوب الخيل والرمي بالسهام ومكايد الحرب " .

لم يتول إدريس الثاني، بالطبع ، مهام الإمامة أثناء تلك الفترة من طفولته ، بل ظل تحت وصاية مولاه راشد، لكن راشد اغتيل سنة 188. فتولى مهمة الوصاية أبو خالد بن إلياس العبدي.

وعندما بلغ ادريس الثاني الرشد، اخذ يعمل من أجل نقل عاصمة دولته من وليلي إلى فاس. هكذا اصثبحت فاس عاصمة دولة الادارسة منذ عام 196 للهجرة، والجدير بالاشارة، ان سمعة دولة الادارسة الطيبة وهيبتها العارمة قد دفعت اعدادا كبيرة من الناس ان يهاجروا اليها، قادمين من اعماق القارة الافريقية فضلا عن الاندلس بغية اعتناق الدين الاسلامي الحنيف !  

وبعد ان استقرت الامور وتوطدت اركان الدولة توجه الى الفتوحات بغية توسيع رقعة دولته، وقضى على نفوذ الخوارج ووصلت الدولة ذروتها في عهده. وقد تولى ادارة دولة الأدارسة ثمان حكام، كان ادريس الثاني أعظمهم قوة وأعلاهم قدرًا. لكنه هو الاخر مات مسموما عام 213 للهجرة

 وبعد وفاته تولى الخلافة ابنه محمد الذي اخطأ في تقسيم الدولة بين إخوته الاثنى عشر، فكان سببًا اساسيا في اضعاف دولة الادارسة، ناهيك أن بعض الإخوة اتجه إلى الاستقلال بناحيته متناسيًا أن قوة الدولة تكمن في تماسكها.

دولة الادارسة بالمغرب الاقصى

دولة الادارسة بالمغرب الاقصى

وعندما توفي محمد بن إدريس الثاني فخلفه ابنه علي بن محمد، وكان عمره تسع سنوات، ولقب باسم حيدر، وحيدر هو لقب  الإمام علي بن أبي طالب ومعناه الأسد، واستمر في الحكم ثلاث عشرة سنة، ولم يحدث في أيامه ما يستحق الذكر، وبعد وفاته خَلَفَه أخوه يحيى الأول، وفي عهده بلغت فاس شأنا عظيما، حيث قامت فيها المنشأت الكثيرة وامتدت على سفوح الجبال، وأُنشِئ جامع القرويين.

ولما مات خَلَفَه ابن أخيه يحيى الثاني وكان سيء السيرة فثارت عليه العامة، فاختفى، ومات في منفاه، ولم يلبث أن دخل أهالي فاس في طاعة علي بن عمر، الذي خُطِبَ له على منابر المغرب اثناء صلاة الجمعة.

كانت إمارة الأدارسة تعيش خلافات شديدة؛ إذ كانت تخضع تارةً لحكم علي بن عمر، وتارة لحكم أولاد القاسم،  فعاشت هذه الدولة في فوضى عارمة بسبب القتال بين أبناء إدريس من جهة  والخوارج الصفرية من جهة ثانية،  وبسبب هذه الحروب ساءت الحالة الاقتصادية والاجتماعية وتدهورت.

وبعد أن اغتيل يحيى الثالث تولى أمر الدولة يحيى الرابع وكلاهما من احفاد ادريس وامتد سلطانهم على بلاد المغرب الأقصى كلها، وكان الاخير عادلا، عظيم القدر، كثير الفضل، بطلاً شجاعًا، ذا بيان وفصاحة، حافظًا للحديث، فقيهًا، صاحب دين وورع.

وأخيرًا جاءت الضربة القاضية على يد الدولة الفاطمية في الشرق والدولة الأموية الأندلسية في الشمال، لتغلق الستار على دولة الأدارسة التي استمرت نحو قرنين من الزمان.

لقد اكدت بقايا النقود الإدريسية التي وجدت في الكثير من مدن شمال افريقيا ان دولة الادارسة في عهد ادريس الثاني قد بلغت من الاتساع شوطا بعيدا، كما وتبين لنا أن هذا الأمير كان يسير بخطى وئيدة في تنفيذ خطة أبيه ادريس الاول الذي كان يهدف إلى تأسيس دولة كبيرة ينافس بها الامبراطورية العباسية.

وبالجملة فدولة الأدارسة:

  1. ساعدت في تعريب المغرب،

  2. وحاربت الخوارج،

  3. وقامت بنشر الإسلام في شمال غرب إفريقيا،

  4. وحثت القبائل البربرية على دخول الإسلام،

فكانت دولة الادارسة هي المنار الشامخ الذي شع منه نور لايمان والهداية، شعار الاسلام الصحيح في تلك الربوع النائية من بلاد العرب.